بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يكن هذا الأسبوع في نيويورك كسائر الأسابيع التي تعوّد عليها المراقبون عند انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة. فالاثنين، الذي عادة ما يكون مخصصًا لخطابات الرؤساء، تحوّل هذه المرة إلى يوم استثنائي حمل عنوانين بارزين: الاحتفال بمرور ثمانين عامًا على تأسيس الأمم المتحدة، وانعقاد مؤتمر برئاسة فرنسا والمملكة العربية السعودية لبحث مستقبل حلّ الدولتين.
المشهد بدا وكأنه تسونامي اعترافات بالدولة الفلسطينية، إذ سارعت دول كبرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال إلى إعلان اعترافها رسميًا بفلسطين عشية المؤتمر، في خطوة شجّعت فرنسا على إعلان دعمها بدورها، وسط توقعات بأن تلتحق بها دول أخرى. والأهمية الرمزية لهذه الاعترافات لا تخفى على أحد، خصوصًا حين تصدر عن بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، أو عن فرنسا، الدولة الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
رمزية الاعتراف وحدود الواقع
غير أنّ وهج الاحتفالات والرمزيات لم يستطع أن يحجب سؤالًا جوهريًا: ماذا يعني الاعتراف بدولة لم تتمكّن منذ اتفاقية أوسلو وحتى اليوم من بلورة كيان سياسي متماسك، ولا من بناء مؤسسات قادرة على حماية مشروعها الوطني من التفكك أو من اختطافه بأيديولوجيات جهادية متشددة؟
ذلك أن الفلسطينيين، منذ أكثر من ثلاثة عقود، أخفقوا في تحويل الحلم إلى واقع ملموس. فبدلًا من أن تكون الأرض الفلسطينية ساحة لبناء دولة، تحوّلت إلى بؤر متنازعة بين سلطات الأمر الواقع، حيث تمدّدت حركة حماس وفصائل أخرى رفعت شعارات الجهاد، بينما بقيت السلطة الفلسطينية غارقة في أزماتها الداخلية، مثقلة بترهلها وفقدانها الثقة الشعبية.
معادلة مختلة بين الخارج والداخل
التسارع الدولي للاعتراف بفلسطين يكشف مفارقة مؤلمة: العالم يتعامل مع الفلسطينيين على أساس أنهم أصحاب دولة، بينما الفلسطينيون أنفسهم عاجزون عن التعامل مع أنفسهم كشعب موحد تحت سقف دولة.
من نيويورك، قد تبدو الصور والبيانات وكأنها انتصار سياسي طال انتظاره. لكن من رام الله وغزة، حيث الانقسام والدمار والانسداد السياسي، تبدو الاعترافات الدولية أقرب إلى “شيكات بلا رصيد”. إذ ما قيمة أن تعترف بريطانيا أو فرنسا بالدولة الفلسطينية إذا كانت هذه الدولة، في واقعها، لا تملك سيطرة على حدودها، ولا سلطة على قرارها الوطني، ولا قدرة على منع المجموعات المسلحة من تقرير مصيرها باسم المقاومة؟
بين الرمزية والمصير
لا شك أنّ إسرائيل تدرك خطورة الرمزية، ولذلك يلوّح قادتها بخطوات عقابية تصل إلى حد ضمّ أجزاء من الضفة الغربية أو إغلاق القنصلية الفرنسية في القدس. لكن الأخطر من ذلك أن تبقى هذه الرمزية حبيسة أروقة الأمم المتحدة، عاجزة عن الانعكاس على الأرض، بينما يواصل الفلسطينيون خسارة يومياتهم أمام عجز سلطتهم وتنامي أو تراجُع نفوذ حماس وسواها.
فالعالم اليوم مستعدّ لإغداق الاعترافات، لكن الفلسطينيين لم يبرهنوا بعد على قدرتهم في استثمار هذه الفرصة التاريخية. وإذا لم يُترجم الاعتراف الدولي بإصلاح داخلي عميق يوحّد المؤسسات، ويُخضع السلاح لسلطة الدولة، فإن النتيجة لن تكون سوى المزيد من التناقض: دولة على الورق، وساحة مفتوحة للجماعات الجهادية على الأرض.
الحضور في ضمير العالم
كابنة لهذا الشرق، بنكهة روسية، أستقبل أخبار نيويورك بمزيج من الفرح والحذر. الفرح لأن القضية الفلسطينية استعادت شيئًا من حضورها في ضمير العالم، والحذر لأنني أخشى أن يتحول هذا الحضور إلى مجرد احتفال رمزي آخر يُضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة.
ويبقى السؤال المؤلم: أي دولة نعترف بها اليوم؟ هل هي الدولة التي حلم بها ياسر عرفات على منبر الأمم المتحدة حين قال في العام 1974 “لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي”، أم هي الدولة الممزقة بين غزة ورام الله، بين الاعترافات الدولية ورايات الحركات الجهادية؟
الجواب ما زال رهنًا بقدرة الفلسطينيين على أن يبنوا، أولًا وأخيرًا، دولة حقيقية على أرضهم… دولة تستحق فعلًا كل هذه الاعترافات.
سيرينا جمال دملج – كاتبة صحفية لبنانية – روسية تمثل الضمير الحيّ لجيلٍ يحاول بناء السلام الداخلي وسط عالم مضطرب. نصوصها تتراوح بين التأمل والاعتراف والحنين، وتكتب في ضمير المتكلّم عن الخسارات الصغيرة التي تهدد إنسانيتنا، والأمل الذي يبقى رغم كل شيء.

Leave a comment