الروشة بين أيقونة السياحة ومنبر الاستعراض السياسي

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

في ذاكرة اللبنانيين، كما في ذاكرة العالم، تُشكّل صخرة الروشة أكثر من مجرد تكوين صخري يقف شامخًا عند شاطئ بيروت. هي بطاقة بريدية حيّة، مشهد يلتقطه السائح قبل أن يغادر، صورة تُعلّق على جدران البيوت المهاجرة لتذكّر اللبنانيين ببحرهم، ورمز لمدينة ظلّت، رغم كل العواصف، تحاول أن تحفظ لنفسها ملامح الانفتاح والحياة.

منذ عقود، تحوّلت الروشة إلى جزء من الهوية البصرية للبنان. إنّها ليست مجرّد “حجر” في البحر، بل نافذة على العالم. كل مَن زار بيروت، من كبار السياسيين إلى الفنانين مرورًا بالرحّالة والباحثين، توقّف أمامها. بعضهم رآها تجسيدًا لصمود الطبيعة في وجه الموج، وبعضهم اعتبرها مرآة لروح العاصمة التي تنهض دائمًا من تحت الركام.

من معلم سياحي إلى لوحة حزبية

لكنّ هذه “الأيقونة السياحية” وجدت نفسها، أمس الخميس، وقد غُمرت بالضوء الحزبي. أنصار “حزب الله” قرّروا أن يُضيئوا الصخرة بصور أمينهم العام السابق حسن نصر الله، وخليفته المفترض هاشم صفي الدين بعد اغتيالهما. خطوة جاءت على نحو بدا أقرب إلى تحدٍّ صريح للحكومة اللبنانية، التي منحت الحزب ترخيصًا لمسيرته في الروشة، شرط أن تبقى الأملاك العامة بمنأى عن أي ترويج حزبي.

ولعلّ ما يزيد المشهد غرابة أنّ الروشة، التي اعتاد العالم أن يراها في كتيّبات السياحة تحت عناوين “جمال البحر الأبيض المتوسط”، أضحت فجأة لوحة دعائية تُعرض فيها صور القادة الشهداء. هنا تحديدًا تتكثّف المفارقة اللبنانية: كيف يتحوّل رمز وطني سياحي جامع إلى أداة في خدمة خطاب حزبي ضيّق؟

هل نسي الحزب البوصلة؟

ثمّ يبرز سؤال لا يمكن إلا أن يُطرح بسخرية: هل نسي الحزب هدفه في القدس بعدما انكسر في حرب “مساندة غزة” خلال العامين الماضيين؟ أهو بصدد إعادة توجيه البوصلة نحو صخرة الروشة بدلًا من الصخرة التي تقوم عليها قبة الصخرة؟

قد يقول البعض إنّها مجرد لحظة عابرة في استعراض حزبي مألوف. لكنّ المسألة أعمق: إنّها تعكس ميلًا متناميًا إلى احتكار الفضاء العام في لبنان، وإلى استخدام الرموز الوطنية ــ حتى الطبيعية منها ــ لإثبات حضور سياسي. وما بين “القدس البعيدة” و”الروشة القريبة”، يظلّ السؤال مطروحًا: هل باتت المقاومة تُقاس بقدرتها على إضاءة الصخرة بدلًا من قدرتها على تحرير الأرض؟

الروشة وجه لبنان لا وجه الحزب

في نهاية المطاف، تبقى الروشة ملكًا للبنان كلّه. تبقى صورة بيروت في مخيّلة السائح والمغترب والعاشق والطفل الذي يحلم بالبحر. أمّا الصور الحزبية، فمصيرها أن تُمحى مع أول موجة عاتية.

فالروشة لم تولد لتكون منبرًا سياسيًا، بل لتظلّ نافذة على الأفق، شاهدة على لقاء البحر بالمدينة، وعلى ذاكرة وطنٍ يريد أن يعيش. وبينما تتناوب الأحزاب على رفع صور قادتها، تظلّ الصخرة في مكانها، صامدة بوجه الزمن، تبتسم لزوّارها من بعيد وتهمس لهم: “أنا وجه لبنان الذي لا يشيخ”.

سيرينا جمال دملج – كاتبة صحفية لبنانية – روسية تمثل الضمير الحيّ لجيلٍ يحاول بناء السلام الداخلي وسط عالم مضطرب. نصوصها تتراوح بين التأمل والاعتراف والحنين، وتكتب في ضمير المتكلّم عن الخسارات الصغيرة التي تهدد إنسانيتنا، والأمل الذي يبقى رغم كل شيء.

Leave a comment