بين روسيا والغرب… والعالم المتعدّد الأقطاب

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

أكتب بضمير المتكلّم، وأنا أستعيد في ذاكرتي تصريحًا قديمًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ربيع عام 2000، أي بعد أشهر قليلة على تسلّمه مقاليد الحكم إثر استقالة سلفه بوريس يلتسين في آخر أيام القرن العشرين، حين قال: “إنّ روسيا الاتحادية دولة ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخرين وليس ضدّهم، من أجل بناء عالم متعدّد الأقطاب”.

ذلك التصريح لم يكن مجرد عبارة عابرة؛ بل بدا منذ اللحظة الأولى بمثابة بوصلة رسم مسار السياسة الخارجية الروسية على مدى ربع قرن لاحق، خصوصًا أنّ موسكو عملت في تلك السنوات على تكريس حضورها في التكتلات الدولية، من منظمة شنغهاي للتعاون إلى مجموعة “بريكس”، في محاولة للالتفاف على الهيمنة الأميركية ـ الأوروبية التي انفردت بالساحة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

بين الرؤية الروسية والهفوات الغربية

في ضوء هذه الخلفية، أجد أن كلام المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، يوم الأحد، عن أنّ الاضطرابات العالمية الراهنة تمثّل مرحلة حتمية للانتقال إلى نظام عالمي جديد، ليس سوى ترداد مبطّن للرؤية البوتينية القديمة. بيسكوف أشار إلى أنّ العالم يعيش في فوضى عارمة على المستويات الاقتصادية والإعلامية والسياسية، وأنّ اجتياز هذه الفوضى لا يكون إلا مع “الأصدقاء والشركاء الحقيقيين”.

غير أنّ ما يستوقفني هو أنّ الغرب نفسه لم يتوقف طوال هذه العقود عن ارتكاب “هفوات” ـ إن لم أقل أخطاء قاتلة ـ أسهمت في تعميق قناعة موسكو بأنّ النظام الأحادي القطبية عاجز عن ضمان التوازن والاستقرار. من حرب العراق إلى التدخل في ليبيا، ومن توسّع حلف شمال الأطلسي شرقًا إلى العقوبات الاقتصادية التي لم تنجح في تطويع روسيا، بدا وكأنّ الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يصرّون على تجاهل الدعوة الروسية لبناء نظام متعدّد الأقطاب.

عالم يبحث عن توازن جديد

اليوم، وبينما يواصل بوتين توجيه إشارات انفتاح، آخرها الدعوة المعلّقة لزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى موسكو، يبدو أنّ المعركة لم تعد مجرّد جدل سياسي أو دبلوماسي، بل باتت أشبه بمخاض عسير لعالم يبحث عن توازن جديد. فهل يمكن لهذا المخاض أن يلد نظامًا عالميًا أكثر عدلًا، أم أنه مجرد مقدّمة لصدام كوني يتجاوز أوكرانيا والشرق الأوسط إلى آسيا والمحيط الهادئ، حيث تلوح أزمات الكوريتين وتايوان والصين في الأفق؟

فسحة للتأمل

حين أفكّر في المشهد كلّه، لا أستطيع أن أقاوم إحساسًا مزدوجًا: خوفٌ من أن يكون العالم قد دخل بالفعل طورًا مريبًا من حافة الهاوية، ورجاءٌ في أن يكون التعدّد، لا الأحادية، هو صمّام الأمان للبشرية. قد تكون الاضطرابات اليوم قاسية، لكنها ربما تكون أيضًا فرصة أخيرة لولادة نظام عالمي يتيح للناس أن يعيشوا لا على وقع الحروب، بل على وقع التوازن والشراكة.

ربما يكون هذا أملًا ساذجًا في نظر البعض، لكنه بالنسبة إليّ نافذة لا بدّ من إبقائها مفتوحة في زمن تزداد فيه العتمة من حولنا.

جمال دملج – كاتب وصحفي لبناني، ومؤسس موقع سلامُنا بوست. تنقّل بين عواصم عربية وغربية في مسيرته الإعلامية، وعمل طويلًا في ميادين الصحافة السياسية والثقافية. يؤمن بأن الكلمة قادرة على رأب الصدوع، وأن الحقيقة لا تكتمل إلا حين نرويها من زوايا متعددة. يكتب في زاوية ضمير المتكلّم من أجل سلامٍ يقوم على العدل، والذاكرة، والانتماء المتبادل.

Leave a comment