بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
حين يقرّر رئيس انتقالي أن يُعيد كتابة الروزنامة الوطنية من جديد، فإنّ المسألة تتجاوز حدود التنظيم الإداري لتلامس عمق الوعي الجمعي. وهكذا فعل الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو يوقّع المرسوم القاضي بإضافة “عيد الثورة السورية” و“عيد التحرير” إلى قائمة الأعياد الرسمية، في مقابل إلغاء عطلتَي “عيد الشهداء” و“حرب تشرين”.
من حيث الشكل، قد يبدو الأمر مجرّد تعديل في جدول العطل الرسمية. لكن من حيث الجوهر، فإنّ ما جرى يعكس تحوّلًا سياسيًا وفكريًا يطال تعريف الانتماء ذاته، وربما يعيد رسم ملامح الذاكرة الوطنية في مرحلة ما بعد الأسد.
فـ”عيد الثورة السورية” الذي أُقرّ في الثامن عشر من آذار/مارس من كل عام، ليس مجرد إحياءٍ لتاريخ انطلاق الحراك الشعبي من درعا عام 2011، بل هو إعلان رمزي بأنّ الثورة – رغم كل ما شابها من دماء وتناقضات وارتكابات – أصبحت المرجعية الأخلاقية الجديدة للنظام الذي وُلد من رمادها. أما “عيد التحرير” في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، فهو اليوم الذي سقط فيه نظام بشار الأسد عام 2024، وفق رواية السلطة الجديدة، ليُصار إلى تكريسه عطلة وطنية كبرى.
في المقابل، اختفت من اللائحة الرسمية عطلتان راسختان في الوجدان السوري: “عيد الشهداء” في السادس من أيار/مايو، الذي استُخدم لعقود كرمز لمقاومة الاستعمار العثماني، و“حرب تشرين” في السادس من تشرين الأول/أكتوبر، التي كانت لسنواتٍ عنوانًا للكرامة العربية المستعادة.
قد يقول البعض إنّ الشرع يحاول أن يقطع مع رموز الماضي المرتبطة مباشرة بنظام البعث، غير أنّ ما يثير التساؤل – وربما التهكّم المرّ – هو: هل يُبنى المستقبل فعلًا بمحو الذاكرة، أم بإعادة قراءتها؟ وهل يمكن لنظامٍ وُلد من رحم الفوضى أن يؤسّس لهويّة جامعة عبر انتقاء المناسبات التي تخدم سرديّته؟
ثمّة من يرى في المرسوم خطوة رمزية تهدف إلى توحيد الخطاب الوطني بعد سنواتٍ من الانقسام، وثمّة من يقرأ فيه محاولة لفرض “رواية رسمية” جديدة للتاريخ، تُعيد صياغة الوعي الجمعي على مقاس المرحلة الانتقالية. أمّا أنا، فأخشى أن يتحوّل “عيد الثورة” ذاته إلى مجرّد طقس بروتوكولي آخر، يردّده الناس في غياب المعنى، كما فعلوا من قبل مع “عيد الشهداء” و“تشرين التحرير”.
سوريا اليوم تقف أمام سؤالٍ وجوديّ لا مفرّ منه: هل نطوي الصفحات لنبدأ من جديد، أم نحرق الذاكرة كي لا تذكّرنا بمراراتنا؟
المرسوم الأخير لا يقدّم جوابًا حاسمًا، لكنه يعكس بدقّة مأزق بلدٍ ما زال يبحث عن نفسه بين رماد الأمس وغبار الغد.

Leave a comment