بقلم: أورسولا كروغر
سلامُنا بوست
من النادر أن تهتزّ روح الإنسان في زمنٍ تُقاس فيه القيم بموازين المصلحة لا الضمير، وأن نُفاجأ بخبرٍ صغير في زاويةٍ صحافية فيوقظ فينا معنى العدالة الجمالية للتاريخ. هكذا فعلت امرأة ألمانية مجهولة الاسم حين قررت أن تُعيد إلى اليونان تاج عمود أثري كانت قد سرقته قبل أكثر من نصف قرن من موقع أولمبيا القديمة. لم تكن القصة مجرد استعادة لقطعة حجرية بارتفاع 24 سنتيمترًا وعرض 33 ونصف، بل كانت استعادة لجزءٍ من الروح الأوروبية نفسها… الروح التي طالما ادّعت أنها تتقاطع عند فكرة الضمير.
ومضة إنسانية في زمن الانتهاك الثقافي
أن تُسلّم تلك المرأة التاج إلى جامعة مونستر الألمانية، فتُعيده الجامعة بدورها إلى موطنه الأصلي “بدافع من عمليات إعادة قطع أثرية مهمة إلى بلدانها الأصلية مؤخرًا”، يعني أن شيئًا ما بدأ يتحرك في وجدان أوروبا المعاصرة. شيءٌ أشبه باعتذارٍ متأخر، أو ربما مصالحة داخلية مع الذات بعد قرونٍ من التوسّع والاستحواذ والنهب باسم الاستكشاف.
فالقطع الأثرية المسروقة ليست حجارةً صامتة، بل هي شواهد على ما اقترفه الإنسان في حقّ ذاكرة الإنسان. وما قامت به تلك المرأة يذكّرنا بأنّ الاعتراف لا يحتاج إلى محاكم دولية، بل إلى لحظة صدقٍ مع الذات.
من أولمبيا إلى البارثينون: ذاكرة تبحث عن بيتها
لقد ظلّت اليونان، لعقودٍ طويلة، تطرق أبواب المتاحف الأوروبية مطالبةً باستعادة كنوزها المبعثرة، وفي مقدمتها رخاميات البارثينون التي يحتفظ بها المتحف البريطاني منذ القرن التاسع عشر. ومع كلّ خطوة رمزية، كإعادة كأس النبيذ في عام 2019 أو الرأس الرخامي في عام 2024، تتقدّم فكرة أنّ التاريخ لا يُشترى ولا يُباع، وأنّ المتحف الحقيقي هو الذاكرة الجمعية للبشرية.
ربّما أرادت أثينا أن تُثبت، من خلال هذه الاتفاقات الهادئة، أنّ الدبلوماسية الثقافية أكثر نجاعة من المعارك القضائية. فهي لا ترفع قضايا أمام المحاكم، بل ترفع مستوى الوعي أمام العالم.
“ليس من المتأخر أبدًا فعل الصواب”
بهذه العبارة اختصر توربن شرايبر، القيّم على متحف الآثار في جامعة مونستر، جوهر الفعل الأخلاقي: أن تأتي متأخرًا خيرٌ من ألا تأتي أبدًا.
أما الأمين العام لوزارة الثقافة اليونانية، جورجيوس ديداسكالوس، فقد قال بوضوح إنّ “الثقافة والتاريخ لا يعرفان حدودًا، بل يتطلبان التعاون والمسؤولية والاحترام المتبادل”. وهي كلماتٌ تُلخّص معنى الإنسانية المشتركة، في مواجهة منطق الملكية المنفصلة عن الأخلاق.
اليونان وألمانيا… لقاء على ركام الذاكرة
ربّما يحمل هذا الحدث دلالة رمزية خاصة لألمانيا نفسها. فبلدٌ وُصم في القرن العشرين بفظائع الحرب العالمية الثانية، يُظهر اليوم حسًّا أخلاقيًا متجددًا في إعادة ما ليس له. والمرأة الألمانية التي صحا ضميرها بعد خمسين عامًا إنما تُعيد الاعتبار لجيلٍ جديدٍ من الألمان الذين يريدون أن يُطهّروا التاريخ لا من خلال إنكاره، بل من خلال مواجهته.
نهاية مفتوحة على النور
قد لا تُغيّر قطعة حجرٍ مصير العالم، ولكنها قادرة على أن تُذكّرنا بأنّ العدالة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وبأنّ “الحقّ” لا يسقط بالتقادم كما تقول النصوص القانونية.
لقد أعادت تلك المرأة تاجًا من الحجر، لكنّها في الواقع أعادت تاجًا من القيم إلى رأس الإنسانية.
أورسولا كروغر – صحفية ألمانية مستقلة وباحثة في شؤون العدالة الانتقالية، تقيم في برلين وتكتب في سلامُنا بوست عن تجارب بناء السلم الأهلي ومواجهة خطاب الكراهية في العالم. عملت مراسلة ميدانية لعدة مؤسسات إعلامية ألمانية، وشاركت في تغطية ملفات حسّاسة تتعلّق بمخلفات الحروب، وقضايا اللجوء، والذاكرة الجماعية. تؤمن بأنّ السلام الحقيقي يبدأ من صراحة الاعتراف، وعمق الإصغاء.

Leave a comment