بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
لطالما قيل إنّ الصحافة هي مهنة البحث عن الحقيقة، وإنّ الإعلام هو المرآة التي تعكس الواقع كما هو. غير أنّ التجربة العالمية المعاصرة تكشف – يومًا بعد يوم – أن هذه المرآة كثيرًا ما تُصقل بما يتناسب مع مصالح القوى المهيمنة، لا مع ضوء الحقيقة ذاته.
ولعلّ المفارقة المؤلمة في مشهدنا الإعلامي الراهن تتمثّل في أنّ معيار النزاهة لم يعد يُقاس بصدق الوقائع بقدر ما يُقاس بمدى توافقها مع الخطاب السياسي السائد، سواء في الغرب أو في الشرق، وكأنّنا أمام ازدواجية جديدة في تعريف الحقيقة ذاتها.
من بي.بي.سي إلى أوفكوم: خطأ الدقّة أم خلل المعيار؟
قبل أيام، خرجت هيئة تنظيم الإعلام البريطانية (أوفكوم) لتعلن أنّ فيلمًا وثائقيًا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” عن حياة الأطفال في غزة خالف قواعد البث بسبب “تضليل” الجمهور، إذ لم يُشر إلى أنّ أحد الأطفال المتحدثين فيه هو نجل نائب وزير في حكومة “حماس”.
خطأٌ تحريري بلا شك، لكن السؤال الجوهري هو: لماذا يُعامل هذا الخطأ كجريمة مهنية كبرى بينما تتغاضى المؤسسات ذاتها عن أخطاء أفظع عندما تتعلّق بالمصالح الغربية؟
إنّ هذا النوع من “التدقيق الانتقائي” في النزاهة التحريرية يكشف بوضوح أنّ ثمة تسييسًا لمبدأ الدقّة ذاته. فحين يتعلّق الأمر برواية فلسطينية، تُرفع راية الحياد المهني. أما حين يتعلّق الأمر برواية إسرائيلية أو أميركية، تُرفع راية “حق الدفاع عن النفس” وتُغلق ملفات التحقيق قبل أن تُفتح.
هنا، تغدو الأخلاق الإعلامية انتقائية بامتياز، تُستخدم كأداة مساءلة حين يُراد إسكات صوت، وتُهمل حين يُراد تبرير آخر.
من مسرح البولشوي إلى فضاء الحقيقة
في المقابل، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحتفل في مسرح البولشوي بالذكرى العشرين لقناة RT، مخاطبًا الصحفيين فيها بعبارة لافتة: “سلاحكم السري عابر القارات هو الحقيقة”.
كلماتٌ قد تبدو شاعرية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها رسالة سياسية وإعلامية عميقة: إنّ الحقيقة أصبحت اليوم السلاح الأكثر فاعلية في عالمٍ يضجّ بالاصطفافات والرقابة والاحتكار.
بوتين أراد أن يقول، بوضوح لا يخلو من التحدي، إنّ الغرب الذي طالما قدّم نفسه كوصيٍّ على حرية التعبير، هو نفسه الذي يمارس المنع والإلغاء متى ما اصطدم بصوتٍ مخالف أو رواية بديلة.
وقد أحسن الوصف حين أشار إلى أنّ “النخب الحاكمة في الغرب أظهرت وجهها الحقيقي عندما برزت RT”، أي حين بات للرأي الآخر منصّة قادرة على كسر احتكار الخطاب الإعلامي الغربي.
الإعلام بين الحياد المزعوم والتعدد الحقيقي
بين مثال “بي.بي.سي” في لندن واحتفال “آر.تي” في موسكو، يتجلّى سؤال مركزي: هل يمكن للإعلام أن يكون نزيهًا حقًّا في عالمٍ تحكمه القوى الكبرى؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها حتمًا لا تكمُن في شعارات الحياد أو الاستقلال، بل في الاعتراف بأنّ الحقيقة ليست ملكًا لأحد، وأنّ التعدد في السرديات هو شرط النزاهة ذاته.
الإعلام النزيه لا يخاف من السؤال، ولا يُخضع الحقيقة للمساومة. إنه إعلام يجرؤ على عرض رواية الطفل في غزة كما هي، لا كما يريدها المموّلون في غرف التحرير. وهو أيضًا إعلام يتيح للمشاهد الغربي أن يرى في روسيا أو الصين أو إيران أو أي مكان آخر وجوهًا بشرية لا تُختزل في “العدو” أو “الآخر”، بل تُرى كما هي: ناسٌ يعيشون، يتألّمون، ويحلمون.
صوت الحقيقة… معركة العقول والضمائر
في هذا العالم الذي تتداخل فيه الدعاية مع الخبر، وتتحوّل فيه المنصّات إلى جيوش ناعمة تقاتل بالعبارات لا بالرصاص، تبدو نزاهة الإعلام معركة أخلاقية قبل أن تكون مهنية.
ولعلّ ما قصده بوتين حين تحدّث عن “الكفاح الحاد من أجل العقول والقلوب” هو ذاته ما يغيب عن وعي كثير من المؤسسات الغربية التي تحوّلت إلى أبواق رسمية تحت ستار الاستقلالية.
فالحقيقة اليوم ليست مطلقة، لكنها تظلّ الفضاء الوحيد القادر على جمع المختلفين في لغةٍ إنسانية مشتركة.
ولذلك، فإنّ كل صحافي يصرّ على نزاهته، في غزة أو في لندن أو في موسكو، إنما يدافع – بطرقه الخاصة – عن جوهر هذه المهنة: أن نروي ما نرى، لا ما يُطلب منا أن نراه.
خاتمة: إلى أين تمضي المهنة؟
ربما لم يعد السؤال اليوم هو “من يملك الحقيقة؟”، بل “من يملك الشجاعة على قولها؟”.
ففي عالمٍ تتنازعه الروايات المتصارعة والحقائق المفصّلة على قياس الأنظمة، تظلّ النزاهة الإعلامية عملة نادرة، لا تُقاس بشعار مؤسسة أو اسم قناة، بل بضمير الصحافي نفسه.
وحين يصبح “صوت الحقيقة” سلاحًا عابرًا للقارات، فذلك لأنّ الضمير – لا المنصب – هو الذي يُملي على الكلمة صدقها، ويمنح المهنة شرفها الأبدي.

Leave a comment