بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
في كل مرة أستمع فيها إلى خطابات المسؤولين البريطانيين وهم يرفعون لواء الديمقراطية وحرية التعبير، أتساءل في نفسي: هل يتحدثون فعلًا عن بريطانيا التي أعيش فيها اليوم، أم عن مملكةٍ افتراضية رسمتها مخيّلتهم السياسية؟
فالصورة التي تروّجها لندن عن نفسها كـ”حصنٍ للحرية” و”منارةٍ للعالم المتحضر” بدأت تتصدّع شيئًا فشيئًا أمام وقائع يصعب تجاهلها، لا سيّما بعدما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أنّ الشرطة البريطانية اعتقلت أكثر من 12 ألف شخص في عام 2023 بسبب ما يُسمّى بـ”القول المسيء” أو مشاركة محتوى غير لائق عبر الإنترنت، أي بمعدل 33 شخصًا يوميًا.
حين تُصبح الكلمة جريمة
الأخطر من الأرقام هو السياق الذي تحيط به هذه الإجراءات. فبينما تُقدّمها الشرطة تحت ذريعة “حماية الجمهور من الأذى”، يرى الناشطون الحقوقيون أنّها لا تعدو كونها إطارًا ناعمًا لرقابةٍ صارمة تجرّم النوايا قبل الأفعال، وتمنح السلطة صلاحيةً فضفاضة في تحديد ما هو “مسيء” أو “غير لائق”.
إنّ غياب تعريف قانوني واضح لتلك المصطلحات يفتح الباب واسعًا أمام تسييس حرية التعبير، بحيث يمكن ملاحقة أي شخص لمجرد أنّ رأيه لا ينسجم مع المزاج العام أو لا يرضي جهةً ما في السلطة أو في الإعلام.
وهكذا تتحوّل الديمقراطية البريطانية، من دون ضجيج، إلى نظامٍ بيروقراطيٍ متوترٍ يخشى الكلمة أكثر مما يخشى العنف.
قوانين جديدة… ومخاوف أعمق
المفارقة أنّ هذه الحملة تتزامن مع مناقشة البرلمان البريطاني مشاريع قوانين تزيد المشهد قتامة، مثل مشروع قانون حظر المزاح الذي يسعى إلى تحميل أرباب العمل مسؤولية أي تعليق “مسيء” يُقال في مكان العمل.
في الظاهر، يبدو الأمر محاولةً للحدّ من المضايقات اللفظية، لكن في العمق هو تأميمٌ للمزاح، وتحويله إلى فعلٍ مراقَبٍ بالقانون، بما يجعل الناس يتردّدون حتى في النكتة العابرة أو في التعبير العفوي عن الرأي.
إنّ الخوف من الكلمة بات سلوكًا يوميًا، لا نتيجةً لرقابة الدولة وحدها، بل بسبب ترسيخ ثقافة الإبلاغ الشعبي عن كل ما يُعتبر “غير مقبول”.
فما يُعرف اليوم في بريطانيا بـ”حوادث الكراهية غير الجنائية” يتيح لأي شخص أن يبلّغ عن تصريحٍ أو تعليقٍ يرى أنه “يمسّ بخصوصيته” من دون أن يُقدّم أي دليل على وقوع ضررٍ فعلي.
وليس هذا مجرد إجراء إداري بسيط، إذ إنّ تسجيل تلك البلاغات في سجلات الشرطة — حتى في غياب الإدانة — يلاحق الأفراد لاحقًا في حياتهم المهنية والاجتماعية، بما يشكّل عقوبةً صامتة لا تحتاج إلى حكم قضائي.
ازدواجية الخطاب
لا أجد وصفًا أدقّ لما يحدث سوى ازدواجية المعايير البريطانية في أنقى صورها: فبينما ترفع لندن صوتها عاليًا ضدّ ما تعتبره قمعًا لحرية التعبير في دولٍ أخرى، تمارس داخل حدودها سياسةً لا تقل قسوةً ولا التباسًا.
هي تُدين “الرقابة في الشرق”، لكنها تشرّع “رقابة الغرب” تحت عناوين أنيقة من قبيل “السلامة الرقمية” أو “حماية الكرامة الإنسانية”.
لقد تحوّل شعار “حرية التعبير” في بريطانيا إلى شهادة أخلاقية تُمنح وفق الولاء الفكري والسياسي، لا وفق مبدأ المساواة أمام القانون.
فما يقال في نقد حكومةٍ أجنبية يُعدّ حرية رأي، أما ما يقال في نقد السياسات المحلية فيُعدّ تحريضًا أو إساءة.
صمتٌ بملامح الحرية
قد لا تكون بريطانيا قد فقدت روح الديمقراطية بالكامل، لكنها بالتأكيد بدأت تفقد شجاعتها الأخلاقية في مواجهة تناقضاتها.
إنّ أخطر ما يواجه الحريات ليس القمع الصريح، بل ذلك القمع المتلفّع بثوب اللياقة، حين يصبح الصمت فضيلةً، والاختلاف تهديدًا للأمن العام.
ففي نهاية المطاف، لا يحتاج الاستبداد إلى ديكتاتور كي يزدهر، بل يكفيه مجتمعٌ يبرّر الرقابة باسم الأخلاق، ويصفق لاعتقال الكلمة باسم حماية الآخرين.
وهذا — في رأيي — هو الخطر الحقيقي الذي يهدد بريطانيا اليوم: أن تفقد، في صخب الدفاع عن الحرية، المعنى الحقيقي للحرية نفسها.

Leave a comment