بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
يبدو أنّ “حزب الله” لا يزال يعيش في فقاعةٍ من الإنكار السياسي والعسكري بعد “حرب الإسناد” الأخيرة لقطاع غزّة، تلك الحرب التي لم تَكُن سوى مواجهةٍ محدودة في الشكل، لكنها كانت عميقة في نتائجها الاستراتيجية. فمنذ أن توقّفت نيران الصواريخ جنوبًا، لم يخرج الحزب من صمته المموّه سوى ليكرّر الأسطوانة نفسها: أنّ إسرائيل فشلت في إخضاع “المقاومة”، وأنّ التصعيد الإسرائيلي في الجنوب والبقاع لا يعدو كونه محاولة للضغط على “مجتمع المقاومة” كي يتراجع.
لكنّ الحقيقة على الأرض مختلفة تمامًا.
إسرائيل، التي تجنّبت طوال أشهر الانجرار إلى حربٍ شاملة في لبنان، باتت اليوم أكثر تصميمًا من أيّ وقتٍ مضى على تفكيك المنظومة العسكرية لـ”حزب الله”، ولو تدريجيًا. فهي تدرك أنّ الزمن يعمل لصالحها، وأنّ الحزب يعيش مرحلة إنهاك داخلي غير مسبوقة، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. ومع كلّ غارةٍ جديدة، سواء على سيارة في النبطية أو على هدفٍ مدني في البقاع، تُرسل تلّ أبيب رسالة واضحة: إن لم تُقدِم الدولة اللبنانية بنفسها على نزع سلاح الحزب، فستتولّى إسرائيل هذه المهمّة بنفسها.
معادلة الردع المفقودة
لا يمكن فهم المشهد الحالي في الجنوب بمعزلٍ عن التحوّل الذي طرأ على المعادلة الإقليمية. فقد كانت “حرب الإسناد” اختبارًا لمدى قدرة “حزب الله” على تفعيل معادلة الردع التي طالما تباهى بها. إلا أنّ تلك الحرب انتهت بانكشافٍ مرير: الحزب لم ينجح في تحقيق أيّ مكسبٍ عسكري ملموس، بينما حوّل جنوب لبنان إلى مسرحٍ مفتوحٍ أمام الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي باتت تحلّق فوق القرى والمدن بلا رادع.
وما يزيد الطين بلّة أنّ الحزب يصرّ على تحميل الولايات المتحدة مسؤولية كلّ قصفٍ إسرائيلي، وكأنّ اللبنانيين باتوا في حاجةٍ إلى شماعةٍ جديدة يعلّقون عليها عجزهم عن قول الحقيقة. فالعدوّ، في نظر قيادة الحزب، ليس إسرائيل فحسب، بل كلّ من يجرؤ على انتقاد أدائه داخل لبنان. وهكذا يجد المواطن الجنوبي نفسه محاصرًا بين نارين: نار الاعتداءات الإسرائيلية، ونار الاتهامات الداخلية بالخيانة لكلّ من يجرؤ على التساؤل عمّا حقّقته “المقاومة” فعليًا.
إسرائيل تمسك بخيوط اللعبة
في المقابل، لا يمكن تجاهل ما بدأ يتسرّب بهدوء في الأوساط السياسية اللبنانية من همسٍ متزايد حول ضرورة إعادة تعريف دور “حزب الله”. فالمعادلة القديمة لم تعد قابلة للحياة: لا يمكن لدولةٍ أن تنهض فيما سلاحها موزّع بين جيشٍ رسميّ وجيشٍ موازٍ يحتكر قرار الحرب والسلم.
من هنا، يبدو أنّ إسرائيل تمسك الآن بخيوط اللعبة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فهي تتحرّك وفق استراتيجيةٍ باردة وطويلة النفس، تستنزف الحزب ببطء وتُفقده القدرة على المفاجأة، فيما يواصل هو الرهان على خطابٍ تعبويٍّ لم يَعُد يقنع حتى جمهوره التقليدي.
إلى متى اللعب بالنار؟
السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى متى سيستمرّ الحزب في اللعب بالنار؟
إلى متى سيبقى يراهن على أن إسرائيل لن تذهب بعيدًا، وعلى أن واشنطن لن تمنحه “الفرصة الأخيرة” قبل أن ينقلب المزاج الدولي عليه؟
في التراث الشعبي اللبناني، أغنية بسيطة تقول: “اللي بيلعب بالنار بيحرق صابيعو”.
قد تبدو الجملة عادية للوهلة الأولى، لكنها تختصر في طيّاتها حكمةً عميقة طالما تجاهلها اللاعبون الكبار حين ظنّوا أنّ النار وسيلتهم إلى المجد، لا طريقهم إلى الهاوية.
من قلب لبنان… وجعٌ يفيض أملًا
أكتب هذه الكلمات من بيروت التي تشبه قلبًا نابضًا رغم التعب، مدينةٌ لا تزال تصحو كلّ صباحٍ على أصوات المآذن وأجراس الكنائس وصرخات الحياة التي ترفض الموت.
من هنا، من لبنان الذي أحببته بكلّ تناقضاته، أرى الناس يعيشون بين خوفٍ وحنين، بين قهرٍ وابتسامةٍ عنيدة، وكأنهم يقولون للحرب ولكلّ اللاعبين بالنار: لسنا وقودكم، ولن نحترق لأجلكم.
ربّما لا يزال الضوء بعيدًا، لكنّه موجود في عيون هؤلاء البسطاء الذين ما زالوا يحلمون بدولةٍ لا يُختصر قرارها برجلٍ واحدٍ أو سلاحٍ واحد.
فهل يسمع الحزب هذه المرة صوت الناس قبل أن يسمع صوت الانفجار التالي؟

Leave a comment