حين يختار بيل غيتس التكيّف بدلًا من الوهم الكبير

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

من بين الضجيج العالمي الذي يسبق انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ (كوب 30) في البرازيل، لفتني أكثر من أيّ شيء آخر ما كتبه بيل غيتس في مدوّنته الشخصية، إذ دعا قادة العالم إلى التخلّي عن الهوس بخفض درجات الحرارة، والتركيز بدلًا من ذلك على التكيّف الواقعي مع المناخ المتغيّر.

ولعلّها المرة الأولى التي يجرؤ فيها أحد رموز “العقل التكنولوجي” الغربي على قول ما ظلّ الكثيرون يتردّدون في البوح به: أن المعركة ضدّ تغيّر المناخ كما صُوّرت في مؤتمرات باريس وغلاسكو ودبي، ربّما كانت معركة ضدّ الزمن أكثر منها ضدّ الكربون.

لقد مضت سنوات طويلة والعالم يلهث خلف الأرقام: درجتان مئويتان هنا، أو هدف صفري للانبعاثات هناك، فيما تستمرّ الكوارث الطبيعية في ضرب الكرة الأرضية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، كأنّ المناخ يسخر من كلّ تلك المؤتمرات التي تُعقد في قاعات فخمة مكيّفة الهواء.

لكن غيتس، ببراغماتيته المعتادة، يطرح اليوم سؤالًا مختلفًا: هل يمكننا أن نعيش ونتقدّم رغم تغيّر المناخ، بدلًا من محاولة إيقافه؟

من خفض الحرارة إلى رفاه الإنسان

في مدوّنته، كتب الرجل الذي صنع ثروة من قراءة المستقبل التكنولوجي، أنّ تغيّر المناخ “ليس نهاية الحضارة”، بل هو تحدٍّ يمكن مواجهته بتحسين الصحة العامة، وتطوير الزراعة، وتوسيع الوصول إلى الطاقة النظيفة والرعاية الطبية، خصوصًا في المناطق الأكثر هشاشة.

بكلمات أخرى، يقترح غيتس أن نغادر خطاب “الذنب البيئي” الذي ميّز العقود الماضية، لننتقل إلى خطاب التكيّف الإيجابي: أي كيف نحمي البشر لا الكواكب، وكيف نُصلح أثر المناخ لا سببَه فقط.

وهنا تكمن المفارقة التي أراها محورية في زمننا الحالي: فبينما يزداد عدد التقارير التي تتحدث عن تجاوز العالم بالفعل سقف الـ1.5 درجة المئوية المحدّد في اتفاق باريس، لا يزال السياسيون يتحدّثون بلغة الأمل التقني والوعود المؤجلة.

أما غيتس، فيبدو أنه أدرك — بحسّ رجل الأعمال الواقعي — أنّ الإنسانية لن تنجو بالبيانات والنماذج، بل بالتأقلم والابتكار والعدالة في توزيع الموارد.

بين الحلم التقني والحقيقة البشرية

إنّ ما يقترحه بيل غيتس لا يعني الاستسلام أمام الكارثة البيئية، بل إدراك حدود القدرة البشرية. فالعالم الذي يعيش أكثر من نصف سكانه في فقر أو في ظلّ بنى تحتية هشة، لا يستطيع أن يوقف الاحترار العالمي بمجرد تعديل في سياسات الطاقة أو بفرض ضريبة على الكربون. لكنّه يستطيع — عبر الذكاء العلمي والسياسات العادلة — أن يقلّل من المعاناة الإنسانية الناتجة عن الجفاف والفيضانات والأمراض الجديدة.

قد تبدو دعوة غيتس صادمة لأولئك الذين يرون في “خفض الحرارة” واجبًا أخلاقيًا، غير أنّها في جوهرها دعوة إلى المصالحة مع الطبيعة بوصفها شريكًا لا خصمًا.

فالتكيّف مع المناخ ليس انكسارًا، بل عودة إلى جوهر الوجود الإنساني الذي عرف، منذ بدايات التاريخ، كيف ينجو في الصحارى والأنهار والغابات بالتجربة والذكاء، لا بالوعود المجردة.

الأمازون… حين تتكلّم الأرض بلغتها الخاصة

وفي مدينة بيليم الساحلية، على أطراف غابات الأمازون، سيجتمع العالم من جديد في نوفمبر المقبل ليتحدّث عن “المستقبل المناخي”.

لكن الأمازون، بعمقها الأخضر ومياهها التي لا تهدأ، لن تنصت كثيرًا لخطابات الوفود الرسمية. ستقول لهم الأرض بلغتها القديمة: “لقد جربتُم السيطرة على الطبيعة، فحاولوا هذه المرّة التعايش معها”.

هناك، بين رطوبة الغابة وأنفاس الكوكب، سيبدو صدى كلمات بيل غيتس أكثر واقعية من أيّ بيان سياسي، لأنّ الطبيعة تعرف — على نحوٍ لا يخطئ — أن البقاء لا يكون بالوهم، بل بالتكيّف مع الحقيقة.

Leave a comment