إسرائيل وأفريقيا… حكايات الذاكرة والحدث: بين “ابن بعير” ومشهد هرجيسا اليوم

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

غالبًا ما تتداخل في ذهني، وأنا أقرأ ما يدور اليوم في أروقة السياسة الأفريقية، ما روى لي أبي قبل خمسة وعشرين عامًا عن العلاقات التاريخية بين إسرائيل وأفريقيا، وخصوصًا في القرن الأفريقي. ليس ذلك فقط لأنني ورثتُ عنه شغفًا بالتاريخ والخرائط والوجوه، بل لأنني أجد في تفاصيل تلك الحكايات ما يفسّر أحيانًا ما يبدو اليوم غريبًا أو غير متوقع: كيف تلتقي الأحداث الراهنة بذكريات الماضي، وتعيد إنتاج نفسها في بلدانٍ وأسماءٍ جديدةٍ، لكنها تحتفظ بذات الروح—روح السعي نحو الاعتراف والوجود والأمن.

قبل ربع قرن، كان والدي يتحدّث عن جمهورية أرض الصومال (أرضٌ أعلنت استقلالها من جانب واحد ولكن لم تُمنَح اعترافًا دوليًا واسعًا)، إذ روى لي حكايةً غريبةً عن الملك اليهوديّ ابن بعير والشيخ المسلم يوسف الكونيْن—حكاية تحمل دلالات رمزية طويلة الأمد حول العلاقات بين تجمّعات بشرية مختلفة في تلك المنطقة، بين الدين والسحر والسيادة والمصير. هي ليست مجرد أسطورة محلية، بل ذاكرة جماعية تروي ألغاز انصهار التاريخ والوجدان في مجتمعات تُعنى أكثر بالهوية والبقاء منها بالحدود السياسية وحدها.

اليوم، وبعد حوالي أسبوع من اعتراف إسرائيل الرسمي بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، شهدت العاصمة هرجيسا حدثًا بارزًا أعاد إلى ذهني أصالة تلك الحكايات، لكنه وضعها في سياق جيوسياسي حديث بلغة المصالح والتحالفات.

في 6 يناير 2026، وصل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا في أول زيارة رسمية لمسؤول إسرائيلي رفيع هناك عقب الاعتراف. كانت الزيارة بحسب مصادر إسرائيلية ورصدًا صحفيًّا خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وأرض الصومال، وفتح آفاق تعاون في مجالات سياسية وأمنية واقتصادية—من الزراعة إلى التكنولوجيا والتنمية المشتركة. وأكد ساعر أن بلاده مصمّمة على تطوير علاقاتها مع هرجيسا وتقوية أسس الشراكة، داعيًا في الوقت نفسه إلى فتح سفارات وتعيين سفراء بين البلدين.

في المقابل، لم يخلُ المشهد من ردود الفعل المعاكسة. فقد دانت مقديشو، حكومة الصومال الفيدرالية، الزيارة ووصفَتها بأنها انتهاك خطير لسيادتها، معتبرةً أي تعامل رسمي في هرجيسا دون موافقتها “غير قانوني وغير مشروع” ويُهدد وحدة أراضيها. هذه المعارضة لم تقتصر على الحكومة الصومالية فحسب، بل امتدت إلى الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، الذين عبّرا عن رفضهما للقرار وللزيارة بوصفهما يخلّان بمبادئ القانون الدولي ووحدة الدولة.

ما أحمله معي من ذاكرة والدي في هذا السياق ليس مجرد تفاصيل تاريخية أو حكايات عن السحر والشعوذة، بل أيضًا الفهم العميق لمكانة هذا الجزء من أفريقيا في خريطة المصالح الإقليمية والدولية. تلك الأرض التي وصفها قبل سنوات بأنها استراتيجيّة لأنّها تطل على ممّر حيوي بين باب المندب وخليج عدن والمحيط الهنديّ—تظل اليوم نقطة جذب ليس فقط للقوى الكبرى في العالم، بل أيضًا لسعي الكيانات الصغيرة نحو الاعتراف والاعتبار الدولي.

ومن يقرأ هذا المشهد من هرجيسا اليوم لا بدّ أن يستحضر تلك الزيارات والإرهاصات التي عاشها والدي في أوائل الألفية الجديدة—زيارات مسؤوليين أجانب، وتنافسًا بين أطماع أجنبية على قواعد ومواقع ذات أهمية، وحكايات تُروى عن لقاءات بين مفاهيم مختلفة من السلطة والهوية. كان ذلك يومها “خبرًا”، واليوم هو حدثٌ يحمل في طيّاته تساؤلاتٍ أعمق: عن المعنى الحقيقي للسيادة، وعن تأثير الاعتراف الدولي في حياة شعوبٍ تنتظر سنواتٍ من الاستقرار، وعن الكيفية التي يعاد بها كتابة التاريخ في زمن السياسة.

في الهامش، تبقى هناك درجات من التناقض: شعبٌ في القرن الأفريقي يعلن استقلاله، يعترف به طرفٌ دولي كبير مثل إسرائيل، بينما يُدين ذلك نفس الطرف الآخر في نفس اللحظة—وهذا يذكّرنا جميعًا بأن السياسة لا تتّسع دائمًا لحدود التاريخ ووحدها؛ بل تزدهر أيضًا في الفراغات التي تتركها الذكريات والأساطير بين الشعوب.

والخير—كما كان والدي يقول—دائمًا من وراء القصد.

Leave a comment