غرينلاند ليست للبيع: حين تعود الإمبراطورية إلى لغتها القديمة

بقلم: إميلي غرينوود

سلامُنا بوست

منذ عودته إلى البيت الأبيض، لا يتصرّف دونالد ترامب بوصفه رئيسًا لدولةٍ عظمى فحسب، بل كمن يسعى إلى إعادة تعريف موقع الولايات المتحدة في العالم من زاويةٍ إمبراطوريةٍ صريحة، لا تتورّع عن كسر المحظورات السياسية والأعراف الدبلوماسية التي حكمت العلاقات عبر الأطلسي لعقود طويلة. وليس ملف غرينلاند سوى أحدث تجلّيات هذا المنحى.

المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع الرئيس الأميركي، والتي خُصّص جزء أساسي منها لتوضيح موقف لندن من قضية غرينلاند، تعكس حجم القلق الأوروبي المتنامي من تحوّل أفكار ترامب “القديمة–الجديدة” إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فحين يضطر رئيس حكومة حليف تقليدي للولايات المتحدة إلى إعادة تأكيد بديهيات من نوع أن “غرينلاند ملك لشعبها”، فهذا يعني أن ما كان يُعدّ يومًا ضربًا من الهذيان السياسي بات اليوم بندًا حاضرًا على طاولات النقاش الجدي.

بيان “10 داونينغ ستريت” لم يكن موجّهًا إلى الداخل البريطاني بقدر ما كان رسالة مزدوجة: الأولى إلى واشنطن، والثانية إلى العواصم الأوروبية القلقة من تآكل الخط الفاصل بين النفوذ المشروع والهيمنة الوقحة. فغرينلاند، التابعة للدانمارك والعضو غير المباشر في منظومة الناتو، ليست مجرد قطعة جغرافية في القطب الشمالي، بل اختبار فعلي لاحترام السيادة داخل المعسكر الغربي نفسه.

اللافت أن المكالمة لم تتوقف عند غرينلاند. من اعتراض ناقلة النفط “بيلا 1” في سياق تشديد العقوبات، إلى أوكرانيا وفنزويلا، يتّضح أن إدارة ترامب تتعامل مع العالم كوحدات اشتباك متداخلة، تُدار جميعها بالمنطق نفسه: منطق القوة، لا الشراكة؛ ومنطق الإملاء، لا التفاهم.

هذا المنطق بلغ ذروته عقب العملية الأميركية في كاراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهي سابقة أعادت إلى الأذهان أسوأ فصول التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية. لم يُخفِ ترامب بعدها استعداده لتوسيع دائرة التدخل في “نصف الكرة الغربي”، مستندًا إلى مبدأ مونرو، الذي لم يتردّد في إعادة تسميته على هواه، وكأن التاريخ مادة قابلة لإعادة العلامة التجارية.

هنا تحديدًا يتقاطع ملف غرينلاند مع فنزويلا. فحين تُستعاد عقيدة مونرو بوصفها غطاءً لتدخلات مفتوحة، لا يعود القطب الشمالي بمنأى عن المنطق ذاته. الفرق الوحيد أن غرينلاند تقع في قلب المنظومة الأطلسية، ما يجعل أيّ مساس بها إعلانًا صريحًا بأن لا خطوط حمراء، حتى بين الحلفاء.

الانتقادات التي صدرت اليوم عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فهي ليست مجرد تباين في وجهات النظر، بل تعبير عن خوف أوروبي عميق من انزلاق الولايات المتحدة نحو سياسة خارجية أحادية، تُعيد تعريف التحالفات بوصفها علاقات خضوع لا شراكات مصالح.

أوروبا، التي وجدت نفسها لسنوات طويلة في موقع التابع الاستراتيجي لواشنطن، تدرك اليوم أن ترامب لا يرى في الاتحاد الأوروبي حليفًا، بل عبئًا حينًا، ومنافسًا حينًا آخر. وغرينلاند، في هذا المعنى، ليست هدفًا بحد ذاتها، بل رمز: رمز لقدرة القوة العظمى على اختبار حدود الصمت الأوروبي.

قد ينجح ترامب في فرض إيقاعه داخل أميركا، وقد يجد من يصفّق له في الداخل باسم “استعادة العظمة”، لكن خارج الحدود، تتراكم الشقوق في جدار الثقة. وما لم تتبلور إرادة أوروبية واضحة لرسم خطوط سيادية لا يجوز تجاوزها، فإن سؤال غرينلاند اليوم قد يصبح غدًا سؤالًا عن مكانة أوروبا نفسها في عالمٍ يتغيّر بسرعة، ويعود فيه شبح الإمبراطوريات بوجوهٍ جديدة، وخطابٍ قديم.

في النهاية، ليست المسألة ما إذا كانت غرينلاند ستُضم أو لا، بل ما إذا كان الغرب قادرًا على حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها، حين تأتي التهديدات من داخله لا من خصومه.

Leave a comment