عمليات إجلاء روسية صامتة من تل أبيب… حين تقرأ موسكو ما لم يُعلن بعد

بقلم: سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

نادرًا ما تتحرّك الدول الكبرى بصمت، ونادرًا أكثر أن تُقدم موسكو على خطوات أمنية حسّاسة من دون تمهيد إعلامي أو غطاء سياسي واضح. من هنا، لا يمكن التعامل مع الأنباء المتداولة حول عمليات إجلاء متتالية لعائلات الدبلوماسيين الروس من تل أبيب بوصفها إجراءً روتينيًا أو احتياطيًا عابرًا. ما يجري يتجاوز حدود “الحيطة الدبلوماسية”، ويفتح الباب واسعًا أمام سؤال جوهري: ما الذي تخشاه روسيا… أو ما الذي تعرفه؟

وقائع الإجلاء: أرقام صامتة برسائل عالية النبرة

بحسب ما نقلته القناة 14 الإسرائيلية ووسائل إعلام أخرى، سيّرت السلطات الروسية ثلاث رحلات إجلاء متتالية من مطار بن غوريون في تل أبيب إلى موسكو، خلال يومي السادس والسابع من الشهر الجاري.

بيانات موقع “فلايت رادار” لرصد حركة الطيران تُظهر أن الرحلات الثلاث حملت الرمز ذاته (14FC04)، ونُفّذت بواسطة طائرات من طراز “توبوليف” تابعة لـ”سرب الطيران الخاص” الروسي، وهو تصنيف لا يُستخدم عادةً إلا للمهام السيادية الحسّاسة.

الأهم من عدد الرحلات أو نوع الطائرات، هو التوقيت والسرية وغياب أي إعلان رسمي مسبق، وهي عناصر نادرًا ما تجتمع من دون سبب يتجاوز الحسابات التقليدية.

سفارة تعمل… ولكن بنصف طاقتها

في موازاة عمليات الإجلاء، تواصل السفارة الروسية في تل أبيب عملها، وإن بشكل محدود بحسب الإعلام المحلي الإسرائيلي. وهذا التفصيل بالغ الدلالة: فموسكو لم تُغلق بعثتها، ولم تعلن خفضًا رسميًا للعلاقات، لكنها في الوقت نفسه أخرجت الحلقة الأضعف والأكثر حساسية: العائلات.

في القاموس الدبلوماسي، هذا السلوك يُقرأ عادةً كإشارة إلى توقّع تدهور أمني محتمل، من دون الرغبة في إرسال رسالة تصعيدية مباشرة إلى الدولة المضيفة.

متى تُقدم الدول على الإجلاء؟

التاريخ القريب في الشرق الأوسط يُظهر أن عمليات الإجلاء الواسعة لا تتم إلا في حال: امتلاك معلومات استخباراتية موثوقة عن تصعيد وشيك، أو توقّع انهيار سريع للاستقرار الأمني، أو خشية من انزلاق نزاع محدود إلى مواجهة أوسع.

وبالتالي، فإن خطوة موسكو لا يمكن فصلها عن تقدير استراتيجي بأن المرحلة المقبلة قد تكون أقل قابلية للاحتواء.

اللحظة الإقليمية: أميركا، إيران، وإسرائيل في دائرة الاشتعال

تأتي هذه التحركات الروسية في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتّسم بعدة مؤشرات متزامنة: تحذيرات أميركية شديدة اللهجة لإيران، تتجاوز الملف النووي لتطال طريقة تعامل طهران مع الاحتجاجات الداخلية، وتقارير إيرانية عن تعزيزات عسكرية أميركية في القواعد المحيطة بإيران، تشمل معدات وطائرات إضافية، وتصاعد الحديث في الأوساط الأمنية عن احتمالات تجدّد المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية، سواء بشكل مباشر أو عبر ساحات وسيطة.

في هذا السياق، يبدو أن موسكو تُجري قراءة شاملة للمشهد، ترى فيها أن ارتفاع منسوب التوتر الأميركي–الإيراني يزيد تلقائيًا من مخاطر انفجار الساحة الإسرائيلية.

لماذا تتحرّك موسكو الآن؟

بعيدًا عن التهويل، يمكن قراءة الخطوة الروسية من زاوية براغماتية بحتة: روسيا لا ترغب في أن تُفاجأ بتدهور أمني يضع دبلوماسييها وعائلاتهم في دائرة الخطر، كما أنها، بحكم حضورها في ملفات المنطقة من سوريا إلى إيران، تملك قنوات معلومات أوسع من تلك المتاحة للرأي العام، والأهم، أن موسكو تميل تاريخيًا إلى التحرّك الاستباقي الصامت بدل الانتظار أو المراهنة على التهدئة اللفظية.

ما يُقلق المراقبين ليس فقط ما فعلته روسيا، بل ما قد يفعله الآخرون. فإذا بدأت دول كبرى أخرى باتخاذ خطوات مماثلة – ولو تدريجيًا – فإن ذلك سيعني أن تقديرات الخطر لم تعد محصورة في موسكو وحدها، بل أصبحت شبه إجماع داخل غرف القرار الدولية.

الشرق الأوسط على حافة الأسئلة الكبيرة

قد تمرّ هذه الخطوة الروسية من دون انفجار وشيك، وقد تُسجَّل لاحقًا كإجراء احترازي بالغ الحذر. لكن في الشرق الأوسط، نادراً ما تكون الإشارات الصامتة بلا معنى.

حين تُخرج موسكو عائلات دبلوماسييها على عجل، فهي لا تُعبّر فقط عن قلق أمني، بل عن إدراك بأن الإقليم يقف مجددًا أمام مفترق طرق، حيث تكفي شرارة واحدة لتحويل التوتر المتراكم إلى مواجهة مفتوحة.

وفي انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة، يبقى السؤال معلّقًا: هل نقرأ نحن ما قرأته موسكو… أم أننا ما زلنا نُفضّل الاطمئنان إلى هشاشة الاستقرار؟

Leave a comment