حين تتقدّم الدولة… ويتراجع الوهم

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

في بلدٍ أُنهك طويلًا بتنازع المرجعيات، وتكاثر “الضرورات الاستثنائية”، وادّعاء كل طرف امتلاك حقّ الحماية والتقرير باسم الدولة أو بدلًا عنها، يطلّ رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون في الذكرى الأولى لتسلّمه مهامه، لا بخطاب شعبوي، ولا بلهجة كسر عظم، بل بكلمات محسوبة، هادئة، واضحة، تعيد الاعتبار إلى بديهيات كدنا ننسى أنها بديهيات: الدولة وحدها تحمي، والدولة وحدها تقرّر، والدولة وحدها تحتكر السلاح.

ما قاله الرئيس عون عن أن “الظرف الذي وُجد فيه السلاح خارج إطار الدولة لم يعد موجودًا” ليس مجرد توصيف سياسي آني، بل خلاصة تجربة وطنية مريرة امتدّت عقودًا. هو اعتراف شجاع بأنّ ما كان يُسوّق يومًا كـ”حاجة”، أو “ضرورة”، أو “استثناء مؤقت”، تحوّل مع الزمن إلى عبءٍ ثقيل، لا على الدولة فحسب، بل على البيئة التي احتضنته، وعلى فكرة لبنان نفسها.

وهج الدولة وهيبة المؤسسات

الأهم في خطاب الرئيس عون أنه لم يُقدَّم كإملاء خارجي، ولا كاستجابة لضغوط دولية، بل كقرار لبناني داخلي، اتُّخذ في مجلس الوزراء، ويُنفّذ بقدر الإمكانات والظروف، عبر المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحظى بثقة غالبية اللبنانيين: الجيش اللبناني. هنا تحديدًا تكمن فرادة هذا الخطاب: رئيس جمهورية يصرّ على إعادة النقاش إلى أرض الدستور والمؤسسات، لا إلى منابر التخوين أو المبارزات اللفظية.

وحين يوجّه عون كلامه مباشرة إلى حزب الله، داعيًا إيّاه إلى “التعقّل”، وإلى حسم موقعه: إمّا داخل الدولة فعلًا، أو خارجها، فهو لا يفعل ذلك من موقع خصومة، بل من موقع من يرى أنّ استمرار الازدواجية لم يعد يحمي أحدًا، بل يعرّض الجميع للخطر. قوله إنّ “لبنان كله يتحمّل تبعة ذلك” هو، في العمق، دعوة للخروج من منطق “البيئات” و”الخصوصيات”، والدخول في منطق المواطنة الكاملة والمتساوية.

لا يقلّ دلالة عن ذلك حديثه عن التعاون القائم بين الجيش وحزب الله في الجنوب، وعن واقعية تنفيذ حصر السلاح، وعن شمول هذا المسار جميع المجموعات المسلحة، بما فيها السلاح الفلسطيني. هنا لا نسمع رئيسًا يعد بالمستحيل، بل رئيسًا يدير توازنًا دقيقًا بين الهدف الواضح والطريق الممكنة إليه، من دون إنكار التعقيدات أو القفز فوق الوقائع.

مفهوم الحياد الإيجابي

في السياسة الخارجية، يرسّخ جوزاف عون مفهوم الحياد الإيجابي لا كشعار خشبي، بل كخيار يحمي لبنان من أن يكون منصة تهديد لجيرانه أو ساحة لتصفية الحسابات. إبلاغه حركة حماس بوضوح أنّ أي عمل عسكري من الأراضي اللبنانية سيؤدي إلى ترحيل عناصرها، رسالة سيادية بامتياز، لم نعتد سماعها بهذه الصراحة منذ زمن طويل.

أما تشديده على أنّ لبنان “جرّب الحرب ولم تحقّق نتائج”، وأنّ المسار الدبلوماسي هو الخيار الوحيد، فهو ليس موقف ضعف، بل موقف دولة سئمت أن تُستخدم وقودًا لحروب الآخرين، وتصرّ على حماية أرضها وشعبها بأدوات السياسة والعقل، لا بالمغامرات.

حتى في الملفات الشائكة، من الأسرى لدى إسرائيل، إلى العلاقة مع سوريا، يتحدث عون بلغة الوقائع والتقارير الأمنية، لا بلغة الإشاعات. ينفي، يوضّح، ويشير إلى ملفات تُدار بهدوء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، واضعًا نصب عينيه إقفال ملفات الحدود والموقوفين، لا فتح جبهات جديدة.

رهان المحطة المفصلية

قد يختلف اللبنانيون على الكثير، لكنهم نادرًا ما يختلفون على حاجة بلدهم إلى رئيس متّزن، لا يزايد، ولا يستقوي، ولا يتهرّب من الحقيقة. في هذا المعنى، يمكن القول إن خطاب جوزاف عون حول حصرية السلاح لا يمثّل مجرد موقف سياسي، بل يشكّل محطة مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث، حيث تُقال الأشياء بأسمائها، من دون صراخ، ومن دون إنكار، ومن دون خوف.

لعلّها المرّة الأولى منذ زمن طويل نشعر فيها أنّ رئاسة الجمهورية لا تكتفي بإدارة التوازنات، بل تحاول، بهدوء وصبر، إعادة بناء معنى الدولة. وهذا، في بلدٍ كلبنان، إنجاز بحد ذاته.

Leave a comment