بقلم: أورسولا كروغر
سلامُنا بوست
لم تعد جزيرة غرينلاند مجرّد بقعة جليدية نائية في شمال الأطلسي، ولا ملفًا جغرافيًا مؤجّلًا في أدراج الاستراتيجيات الكبرى. مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحوّلت هذه الجزيرة إلى مرآة تعكس صدامًا أعمق: صدام بين منطق القوة الأحادية الأميركية، ومحاولة أوروبية متأخرة—لكن جدّية—لرسم حدود السيادة الاقتصادية والسياسية.
منذ أسابيع، يتعامل ترامب مع غرينلاند ليس بوصفها إقليمًا تابعًا للتاج الدنماركي فحسب، بل كأصلٍ استراتيجي قابل للمقايضة، أو للضغط، أو حتى للابتزاز. وحين قوبلت طموحاته برفض أوروبي واضح، لم يتردّد في التلويح بسلاحه المفضّل: الرسوم الجمركية. الرسالة كانت فظة وبسيطة في آن: من يعارض واشنطن، سيدفع ثمنًا اقتصاديًا.
وحدة أوروبية نادرة… ولكن مشروطة
اللافت هذه المرّة لم يكن تهديد ترامب بحد ذاته، بل سرعة الاصطفاف الأوروبي. ثماني دول معنيّة مباشرة بالملف أعلنت وحدة موقفها، فيما دخلت بروكسل على الخط بعقل بارد ولكن بقلق واضح. اجتماع سفراء الدول السبع والعشرين لم يُنتج قرارات فورية، لكنه كشف عن إدراك أوروبي متزايد بأن سياسة “امتصاص الصدمات” لم تعد كافية مع رئيس أميركي يرى في الاقتصاد أداة إخضاع لا مجال فيها للتسويات الرمزية.
من برلين، حيث وُصفت تهديدات ترامب بـ”الابتزاز”، إلى باريس التي قررت رفع السقف، بدا أن القارة العجوز بدأت تتعامل مع واشنطن بلغة مختلفة: لغة الردع لا المجاملة.
“آلية مكافحة الإكراه”… السلاح الذي صُنع ولم يُشهر
هنا، دخل مصطلح جديد—قديم إلى الواجهة: “آلية مكافحة الإكراه”، أو ما بات يُعرف في الكواليس الأوروبية بـ”البازوكا”.
هذه الآلية، التي صادق عليها الاتحاد الأوروبي في يونيو 2023، وُلدت أساسًا في سياق مواجهة الضغوط الاقتصادية الصينية، ولا سيما في أزمة ليتوانيا بعد فتح مكتب تمثيلي لتايوان في فيلنيوس. يومها، اكتشف الأوروبيون أن السوق الموحّدة، رغم ضخامتها، تفتقر إلى أداة ردّ جماعية وسريعة حين تُستهدف إحدى دولها بالضغط التجاري.
الآلية دخلت حيّز التنفيذ في خريف 2023، لكنها بقيت حبيسة الأدراج. لم تُستخدم لا ضد الصين، ولا لاحقًا حين لوّح ترامب—في ولايته الجديدة—بفرض رسوم جمركية على منتجات أوروبية. اليوم فقط، ومع ملف غرينلاند، يبدو أن “المحرّم” الأوروبي يُعاد التفكير فيه.
ماذا تعني “البازوكا” عمليًا؟
إذا فُعّلت آلية مكافحة الإكراه، فإنها تفتح أمام الاتحاد الأوروبي سلّة واسعة من الإجراءات: من استبعاد الشركات الأميركية من المناقصات العامة، إلى تقييد الاستثمارات، مرورًا بمنع تسويق منتجات محدّدة داخل السوق الأوروبية، وصولًا—في أقسى السيناريوهات—إلى تقييد الواردات الأميركية إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم.
المفارقة أن أولى الضربات المحتملة قد لا تكون صناعية أو زراعية، بل رقمية: تقييد الإعلانات على المنصات الأميركية العملاقة. ضربة محسوبة، لكنها موجعة، لأنها تصيب قلب الاقتصاد الذي يفهمه ترامب جيدًا.
لماذا يلوّح ماكرون الآن؟
يُعرف الاتحاد الأوروبي تقليديًا ببطئه، وبنفوره من الأدوات الخشنة. لذلك، فإن دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باتجاه تفعيل “البازوكا” ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّل سياسي.
بحسب مقرّبين من الإليزيه، ترى باريس أن كل مسارات الوساطة مع ترامب قد استُنفدت، وأن الاستمرار في اللهجة الدبلوماسية لن يُنتج سوى مزيد من الابتزاز. من هذا المنظور، لا يبدو التلويح بالآلية تصعيدًا، بقدر ما هو محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة.
النائبة الأوروبية لورانس فارينغ لخّصت هذا المنطق بوضوح حين قالت إن ماكرون “أصاب نقطة الضعف الحقيقية لدى ترامب: الأعمال والاقتصاد”، مذكّرة بأن السوق الأوروبية ليست تفصيلًا يمكن للشركات الأميركية تجاوزه أو الالتفاف عليه.
غرينلاند كاختبار وجودي لأوروبا
في الجوهر، لا تدور المواجهة حول جزيرة بقدر ما تدور حول سؤال أكبر: هل الاتحاد الأوروبي كيان اقتصادي ضخم بلا مخالب سياسية؟ أم أنه قادر، حين تُمسّ سيادته أو سيادة دوله، على استخدام قوته كسوق موحّدة للردّ لا للدفاع فقط؟
ترامب يراهن على تردّد أوروبي مزمن. وأوروبا، للمرة الأولى منذ زمن طويل، تدرس بجدّية كسر هذا النمط. “البازوكا” قد لا تُطلق، وقد تُستخدم كأداة ردع نفسية لا أكثر. لكن مجرد إخراجها من المخزن يعني أن غرينلاند لم تعد هامشًا جغرافيًا… بل صارت خط تماس سياسي بين عالمين: عالم الصفقات، وعالم السيادة.

Leave a comment