بقلم: نيكول دوبريه
سلامُنا بوست
ليس ملف غرينلاند تفصيلًا جغرافيًا عابرًا في دفاتر الجغرافيا القطبية، ولا نزوة سياسية عابرة لرئيس أميركي مولع بإعادة تعريف القوة. ما نشهده اليوم هو لحظة كاشفة، تُختَبر فيها طبيعة النظام الدولي نفسه، وحدود التحالفات التقليدية، ومعنى السيادة في عالمٍ يتداعى فيه القانون الدولي أمام شهية القوة.
من دافوس، حيث يُفترض أن تُدار النقاشات الكبرى بلغة الاقتصاد والتعاون، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليقول ما يشبه الاعتراف المرير: العالم ينزلق نحو مرحلة “بلا قواعد”، حيث لا قانون إلا قانون الأقوى، وحيث تعود “الطموحات الإمبريالية” لتفرض نفسها بلا مواربة. لم يكن كلام ماكرون فلسفيًا مجردًا، بل توصيفًا دقيقًا للحظة غرينلاند.
غرينلاند… أكثر من جزيرة
بالنسبة إلى واشنطن، غرينلاند ليست مجرد إقليم تابع للتاج الدنماركي، بل عقدة استراتيجية: موقع متقدم في القطب الشمالي، مخزون هائل من المعادن النادرة، بوابة لممرات تجارية مستقبلية، ونقطة ارتكاز في سباق النفوذ مع روسيا والصين. ومن هذا المنظور، يصرّ دونالد ترامب على أن الجزيرة “ضرورية للأمن القومي والأمن العالمي”، وأن “لا مجال للتراجع” عن هذا التوصيف.
لكن الخطير ليس في الاعتراف بالأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، بل في الأسلوب: لغة التهديد، التلويح برسوم جمركية عقابية، والاستخفاف الصريح بسيادة دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي. هنا تحديدًا يبدأ الصدع.
أوروبا بين الإهانة واليقظة
التهديد الأميركي بفرض رسوم قد تصل إلى 200% على صادرات أوروبية، لا سيما فرنسية، شكّل صدمة سياسية في باريس وبروكسل على حد سواء. فالرئيس الفرنسي، الذي رفض حتى عقد لقاء جانبي مع ترامب في دافوس، وصف هذه التهديدات بأنها “غير مقبولة”، بينما ذهبت المفوضية الأوروبية، على لسان أورسولا فون دير لاين، إلى ما هو أبعد: تحذير واضح من أن دفع العلاقات عبر الأطلسي نحو التوتر “لن يخدم سوى الخصوم”.
الأهم هنا أن بروكسل لم تكتفِ بالكلام. تعليق البرلمان الأوروبي عملية المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، والإجماع المتزايد داخل العواصم الأوروبية على مبدأ “الرد الحازم”، يشيران إلى أن أوروبا بدأت – ربما متأخرة – في استيعاب حقيقة بسيطة: الصمت لم يعد خيارًا.
الدنمارك… السيادة خط أحمر
بالنسبة إلى كوبنهاغن، المسألة وجودية. فغرينلاند ليست ورقة تفاوض، بل جزء من كيان سيادي، له خصوصيته وسكانه وحكومته المحلية. لذلك جاء موقف رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن واضحًا: أوروبا “مجبَرة على الرد” إذا فُرضت حرب تجارية، ليس لأنها تريد النزاع، بل لأنها لم تعد تستطيع تفاديه.
التحركات العسكرية المنسقة في غرينلاند، سواء من قبل الولايات المتحدة أو في إطار الناتو، جرى التأكيد على أنها مسبقة التنسيق مع الدنمارك وحكومة الجزيرة. لكن هذا التأكيد بحد ذاته يعكس حجم القلق الأوروبي من أي محاولة أميركية لتكريس أمر واقع بالقوة الناعمة أو الخشنة.
من الاحتجاج الرمزي إلى التحذير الاستراتيجي
في شوارع كوبنهاغن، تحولت القبعات الحمراء الساخرة إلى رمز احتجاجي، وفي مراكز القرار، ارتفعت النبرة. آندرس فو راسموسن، الأمين العام الأسبق للناتو، قالها بوضوح غير مسبوق: “وقت تملق ترامب انتهى”. أما في لندن، فحذّر كير ستارمر من حرب تجارية “لن تكون في مصلحة أحد”، فيما ذهب سياسيون ومفكرون أبعد من ذلك.
غافين نيوسوم، أحد أبرز الوجوه الديمقراطية الصاعدة في الولايات المتحدة، دعا الأوروبيين علنًا إلى “صفع ترامب” سياسيًا، لأنه – بحسب توصيفه – “يتراجع عندما يُواجَه بحزم”. وجوردون براون، في مقال بالغ الدلالة، اعتبر أن الافتراض بإمكانية صمود النظام الليبرالي القائم على القواعد خلال رئاسة ترامب لم يعد سوى “اطمئنان ساذج”.
غرينلاند كإنذار أخير
ما تكشفه أزمة غرينلاند ليس فقط نزاعًا حول جزيرة جليدية، بل أزمة ثقة عميقة في قلب الغرب نفسه. الولايات المتحدة، التي قادت لعقود خطاب النظام الدولي القائم على القواعد، تبدو اليوم مستعدة لتقويضه حين يتعارض مع مصالحها المباشرة. وأوروبا، التي اعتادت الاحتماء بالمظلة الأميركية، تجد نفسها مضطرة لأول مرة منذ زمن طويل إلى التفكير بجدية في معنى استقلال قرارها.
نحن، باختصار، أمام مفترق طرق: إما الاستسلام لمنطق القوة، أو تحويل أزمة غرينلاند إلى لحظة تأسيسية جديدة، تعيد الاعتبار للسيادة، للشراكة، وللقانون الدولي. أوروبا تملك الأدوات الاقتصادية والسياسية، لكنها تحتاج إلى ما هو أصعب: إرادة المواجهة.
غرينلاند ليست نهاية القصة. إنها بدايتها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا تريد واشنطن؟ بل: هل تجرؤ أوروبا أخيرًا على أن تقول لا؟

Leave a comment