بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
في قلب طهران وفلاورجان وغيرها من مدن إيران، تكتمل صورة مأسوية تقشعر لها الأبدان: رجلٌ في السادسة والثلاثين يُقتل برصاص قناص من قوات الأمن، ثم تُصارع أسرته للتعرّف إلى جثمانه واستعادته من المشرحة، كأنها جائزة تُمنح بعد ابتزازٍ مالي. ليس فقط الحزن على ابنٍ راح، بل ثمن استعادة جسده ما يعادل 2400 يورو.
هذه ليست حالة معزولة، بل رواية متكرّرة لدى عائلاتٍ مفجوعةٍ اضطرت — حسب منظمات حقوقية — إلى “دفع مبالغ باهظة، أو التوقيع على اعترافات زور” تفيد بأن القتيل كان من الباسيج، أو أن يجرّدوا ذويهم من حق جنازةٍ لائقة ودفنٍ بشرفٍ إنساني.
الرقعة هنا ليست قاعة جنازة فقط، بل ميدان اختبارات إنسانية تروي قصة كرامةٍ مهدورة. فالألم هنا مزدوج: ألم الفقد، وألم السياسات التي تُقايض جثامين الأبناء على طاولة السلطة. هذا هو المشهد الحقيقي الذي يواجهه الشعب الإيراني في الاحتجاجات الكبرى والمستمرة ضد نظامٍ يستخدم العنف والابتزاز كأدوات لبقاء السلطة، بحسب وصف منظمات معنية بحقوق الإنسان.
لكن هذا المشهد الداخلي المأساوي يتوازى مع صراع دولي أعمق، وأجواء احتدام بين واشنطن وطهران — صراعٌ يكمّل سيناريوهات عنيفة على مستوى المنطقة بأسرها.
“أيام النظام الإيراني باتت معدودة”… خطابٌ أوروبي مشدّد
في برلين اليوم، جاء تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس كصوتٍ غربي غير معتاد حيال إيران: “أيام النظام الإيراني باتت معدودة… قد تكون المسألة أسابيع”.
ولربما كان هذا التصريح أكثر وضوحًا مما تعكسه الدبلوماسية عادةً؛ ففي نبرةٍ لم نسمعها كثيرًا من مسؤول أوروبي بهذا المستوى، هناك إشادة ضمنية بالضغط الدولي المتصاعد على إيران، لا فقط بسبب سياساتها الخارجية، بل بسبب استخدام العنف المنظم ضد شعبها.
لكن ماذا يعني هذا الكلام؟ هل هو تنبيه إلى تغير في ميزان القوى الدولي؟ أم هو امتدادٌ خطابي لسياسات أميركية متشددة تجاه إيران؟
ترامب في المواجهة: المفاوضات أو “ضربة غير مسبوقة”
في واشنطن، وعلى وقع هذه المعاناة الإنسانية في الداخل الإيراني، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب — اليوم الأربعاء — تحذيرًا شديد اللهجة لطهران، قائلًا إن العِدة العسكرية الأميركية في طريقها إلى المنطقة بقيادة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، وأن العقوبات والتهديدات ستتصاعد إذا لم تعد إيران إلى المفاوضات.
ترامب — وسط هذا التحشيد — لم يكتفِ بالخطاب الدبلوماسي المعتاد، بل شدد على أن الضربة المقبلة ستكون “أقوى من أيّ سابقاتها” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي ملزم يحدّ من طموح إيران في الملف الذري.
الخطاب الأميركي هذا ليس جديدًا بالكامل، لكنه تجدد في لحظةٍ توحي بأن الصبر الدولي على النظام الإيراني ينفد، وأن سياسة الردع قد تتحوّل إلى خيارٍ عسكري حقيقي إذا ما استمرت طهران في موقفها الرافض للتقديمات الأميركية المطلوب تحقيقها في المفاوضات.
لكن أصابع الاتهام هنا لا تشير فقط إلى غاية عسكرية بحتة. فتصريحات ترامب تتزامن مع تعبير عن انزعاج غربي عام من الاستخدام المفرط للعنف داخل إيران، ومع مخاوف من تفشّي تأثيرات هذا العنف على استقرار المنطقة بأسرها.
الشرق الأوسط: مسرحٌ متوتر على وقع تحركات أميركية واسعة
ليس من فراغ أن تُعلن الولايات المتحدة عن تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بالتزامن مع هذه التصريحات. فالتحركات الأميركية — التي تشمل انتشار قدرات جوية وبحرية متقدمة قبالة السواحل الإيرانية — تأتي في خضمّ توترٍ إقليمي لم يشهد مثيلًا له منذ سنوات، حيث تراقب واشنطن ردّ طهران على الضغوط المتصاعدة.
وعلى الرغم من أن الزعم الأميركي لا يزال يحافظ على بوادر دبلوماسية — من قبيل دعواتٍ مستمرة للمفاوضات — فإن الأساطيل الحربية وتوسع الانتشار العسكري يبعث برسائل واضحة: إما أن يلتزم النظام الإيراني بخط دبلوماسي معيّن، أو يواجه عاقبة قد تكون أشدّ وطأة مما توقعه في أكثر كوابيسه.
هذا التوازن الدقيق بين القوّة والضغط الذي تبتكره واشنطن، هو انعكاس لمشهدٍ عالمي يرى فيه البعض أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقّق دون فرض قواعد قوة جديدة، بينما يرى آخرون أن هذه القواعد خطر يُضاف إلى لهيب صراع طويل ومعقّد.
بين وهج النار وجراح القبور… أين تلتقي الإنسانية مع السياسة؟
تجربة الأسرة الإيرانية التي دفعت ثمنًا لاستعادة جثمان ابنها، في مقابل تصريحات ميرتس وتهديدات ترامب العسكرية، تشكّل معًا قصةً مزدوجة للمعاناة والتوتر الدولي: على الأرض، جثامين تُبتزّ، ودماءٌ تسيل، وكرامةٌ تُباع أو تُشرى. وعلى الصعيد الدولي، تصريحات حادة وتموضعٌ استراتيجي يستعدّ لمرحلةٍ جديدة من التحديات.
قد تبدو هذه الأحداث بعيدة عن أعيننا، لكنها في جوهرها قصة إنسانية وسياسية واحدة: شعبٌ يئنّ تحت وطأة بطش داخلي، ونظامٌ يقف على حافة مشهدٍ دولي معقّد، وعالمٌ يراقب بتوجّسٍ ما إذا كان الحوار سيسود أم النار ستلتهم الجسور المتبقية.
ووسط هذا كله، يبقى السؤال الأخطر: كيف يمكن أن تُستعاد كرامة الشعوب حين تُستباح كرامتها حتى في الموت؟

Leave a comment