بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يكن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف “الحرس الثوري الإيراني” منظمةً إرهابية مجرّد خطوة إجرائية متأخرة، بقدر ما بدا لحظة اعتراف سياسي صريح بحقيقة ظلّ الأوروبيون يتفادون تسميتها لسنوات: لا يمكن الفصل بين النظام الإيراني والحرس الثوري، لأن الأخير لم يعد ذراعًا عسكرية للنظام فحسب، بل صار عموده الفقري، وحارسه العقائدي، ومحرّكه الاقتصادي، وأداته الإقليمية الأكثر فاعلية وخطورة في آن.
وهم الفصل بين النظام وذراعه
طوال سنوات، تعاملت بروكسل مع الحرس الثوري بوصفه “مشكلة سلوك” يمكن احتواؤها عبر العقوبات الجزئية، والبيانات الدبلوماسية، والمناشدات الحقوقية. لكن قمع الاحتجاجات داخل إيران، والاغتيالات والعمليات السرّية في أوروبا، والتورّط المباشر وغير المباشر في إشعال ساحات المنطقة من غزة إلى لبنان واليمن، جعلت هذا الفصل المصطنع عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا لم يعد ممكنًا الدفاع عنه.
قرار نوعي لا كمي
ما جرى اليوم هو تحوّل نوعي لا كمي. فإدراج الحرس الثوري على لائحة الإرهاب لا يعني فقط تجميد أصول أو حظر تأشيرات، بل يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية أوسع، ويُجرّم أي تعامل مباشر أو غير مباشر معه داخل الفضاء الأوروبي، ويعيد تعريف العلاقة مع إيران من أساسها: من “نظام إشكالي” إلى “نظام تُهيمن عليه منظمة مصنّفة إرهابية”.
غضب طهران… والقلق خلف الخطاب
ردّ طهران جاء غاضبًا، ومشحونًا بلغة المظلومية المعتادة. وزير الخارجية عباس عراقجي اتهم أوروبا بارتكاب “خطأ استراتيجي كبير”، وبالازدواجية الأخلاقية حيال حرب غزة، وبالعمل ضد مصالحها الذاتية. لكن خلف هذا الخطاب العالي النبرة، يطلّ قلق حقيقي: القلق من انتقال التصنيف من الرمزية السياسية إلى العزل الفعلي، ومن أن يتحوّل الحرس الثوري – الذي يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني – إلى عبء خانق على ما تبقّى من علاقات إيران الخارجية.
حين تعجز السلطة عن التبرير
اللافت في الموقف الإيراني أنه لم ينفِ جوهر الاتهامات، بل حاول نقل النقاش إلى ساحة المقارنات الأخلاقية. وهو تكتيك بات مكشوفًا: حين تعجز السلطة عن تبرير أفعالها، تلجأ إلى اتهام الآخرين بالنفاق. لكن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بمنطق “ومن أسوأ”، بل بمنطق المصالح والوقائع.
ابتهاج إسرائيلي ودلالاته الأوروبية
في الجهة المقابلة، لم تُخفِ إسرائيل ابتهاجها. وزير خارجيتها وصف القرار الأوروبي بـ”التاريخي”، معتبرًا أنه تتويج لسنوات من الضغط والعمل الدبلوماسي. وبغضّ النظر عن دوافع تل أبيب، فإن الترحيب الإسرائيلي يسلّط الضوء على مفارقة دقيقة: أوروبا، التي طالما سعت إلى لعب دور الوسيط المتوازن في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أقرب – موضوعيًا – إلى مقاربة أمنية صدامية مع إيران، حتى وإن لم تعلن ذلك صراحة.
ما بعد القرار: قطيعة أم ورقة ضغط؟
السؤال الأهم ليس في القرار ذاته، بل في ما بعده. هل نحن أمام بداية قطيعة أوروبية – إيرانية طويلة الأمد؟ أم أمام ورقة ضغط جديدة ستُستخدم في مفاوضات لاحقة، سواء حول الملف النووي أو حول سلوك إيران الإقليمي؟
في تقديري، القرار يعكس قناعة أوروبية متأخرة بأن سياسة “إدارة الخطر” فشلت، وأن التغاضي عن الحرس الثوري بوصفه كيانًا “داخليًا سياديًا” لم يؤدِّ إلا إلى تمدده خارج حدوده. لكنه في الوقت نفسه يضع أوروبا أمام اختبار صعب: فالتصنيف خطوة عالية السقف، وأي تراجع عنها مستقبلًا سيُقرأ كهزيمة سياسية وأخلاقية.
الردع وحدوده… والمنطقة على الحافة
أما على مستوى المنطقة، فلا يمكن استبعاد أن يدفع القرار طهران إلى مزيد من التصعيد غير المباشر، عبر أذرعها، لإثبات أن الحرس الثوري لا يزال قادرًا على فرض كلف مرتفعة على خصومه. وهنا تكمن المفارقة القاسية: خطوة يُفترض أنها تهدف إلى الردع، قد تُسرّع، إذا أُسيء التعامل معها، ديناميات الانفجار.
سؤال أكبر من الحرس الثوري
بين أوروبا التي قررت أخيرًا تسمية الأشياء بأسمائها، وإيران التي ترفض الاعتراف بأن مشكلتها بنيوية لا دعائية، تقف المنطقة مجددًا على حافة اختبار جديد. اختبار لا يتعلق بالحرس الثوري وحده، بل بسؤال أعمق: هل ما زال النظام الدولي قادرًا على محاسبة القوة حين تتحوّل إلى عقيدة، والعقيدة حين تُمسك بالاقتصاد والسلاح والحدود في آن واحد؟
ذلك سؤال مفتوح… وإجابته، كالعادة، ستُكتب بأثمان لا يدفعها أصحاب القرار وحدهم.

Leave a comment