غزة بين تبدّل الوجوه وضبابية الخيارات: حين تُدار الحرب بلا بوصلة سياسية

بقلم: سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

ليس تغيير القيادة الأميركية لما يُعرف بـ”مهمة غزة” تفصيلًا إداريًا عابرًا، ولا يمكن قراءته بوصفه مجرّد تدوير مواقع داخل البيروقراطية العسكرية–المدنية لواشنطن. ما يجري، في جوهره، يعكس ارتباكًا سياسيًا أعمق حيال مستقبل قطاع غزة، ودور الولايات المتحدة نفسها في مرحلة ما بعد الحرب، في وقت تتكاثر فيه المؤشرات على تضارب التقديرات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن المرحلة الثانية من خطة غزة.

مركز بلا وظيفة

إنّ تنحّي القائدين العسكري والمدني لمركز القيادة المدنية–العسكرية، الذي أُنشئ في تشرين الأول الماضي ضمن المرحلة الأولى من خطة ترامب لإنهاء الحرب، يأتي في لحظة سياسية حسّاسة. فالمركز الذي أُنيطت به مهمات كبرى – من الإشراف على وقف إطلاق النار، إلى تسهيل دخول المساعدات، وصولًا إلى المساهمة في رسم سياسات ما بعد الحرب – يبدو اليوم كأنه فقد مبرر وجوده، أو على الأقل وضوح وظيفته.

غياب أميركي مقنّع

اللافت هنا ليس فقط استبدال قائد عسكري رفيع المستوى بآخر أدنى رتبة، ولا عودة القائد المدني إلى موقعه سفيرًا للولايات المتحدة في اليمن، بل غياب أي إعلان واضح عمّن سيخلفهما، وكأن واشنطن نفسها لم تحسم بعد إن كانت هذه “المهمة” ستُستكمل، أم ستُترك لتذوي ببطء تحت وطأة الفشل السياسي.

فشلٌ لم يعد سرًا. دبلوماسيون غربيون تحدّثوا بصراحة عن إخفاق المركز في إحداث أي اختراق يُذكر، لا على مستوى تدفّق المساعدات الإنسانية، ولا على مستوى بلورة مسار سياسي قابل للحياة. وهو إخفاق دفع بعض الشركاء الأوروبيين إلى إعادة النظر في مشاركتهم، في إشارة مقلقة إلى تآكل الثقة الدولية بالرؤية الأميركية لغزة.

واشنطن وتل أبيب… اختلاف مكتوم في الحسابات

في الخلفية، تبرز معالم تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يمضي ترامب في الحديث عن مرحلة ثانية تتضمّن تشكيل “مجلس سلام” من وفود أجنبية للإشراف على الشق السياسي في القطاع، تبدو حكومة نتنياهو أقل حماسة لأي صيغة تُقيّد حرية إسرائيل العسكرية أو تفتح الباب أمام ترتيبات سياسية لا تملك السيطرة الكاملة عليها. هذا التباين لا يُقال علنًا، لكنه يتسرّب عبر القرارات المؤجَّلة، والقيادات المُستبدَلة، والمؤسسات التي تُنشأ ثم تُفرَّغ من مضمونها.

معبر رفح… اختبار النيات لا الشعارات

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن الأنباء المتداولة بشأن إعادة فتح معبر رفح بين غزة ومصر يوم الأحد المقبل. فالمعبر، بما يحمله من رمزية إنسانية وسيادية، قد يتحوّل إلى اختبار حقيقي لأي حديث عن “مرحلة ثانية” أو “إدارة مدنية” أو “مجلس سلام”. فهل سيكون فتحه خطوة إنسانية مستقلة، أم ورقة تفاوضية إضافية في بازار الترتيبات الإقليمية؟ وهل تملك واشنطن أصلًا القدرة على فرض رؤية متماسكة، في ظل هذا التخبّط؟

إدارة بلا رؤية… ومستقبل مؤجّل

ما يبدو واضحًا أن غزة تُدار اليوم بمنطق ردّ الفعل لا الفعل، وبسياسات مؤقّتة تُستبدل قبل أن تُقيَّم، وبهياكل قيادية تتغيّر فيما تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابات: من يحكم غزة؟ بأي شرعية؟ وتحت أي سقف سياسي؟

لا شكّ في أن تغيير قيادة “مهمة غزة” ليس إعلان بداية جديدة، بل إشارة إلى نهاية مرحلة لم تكتمل أصلًا. مرحلة أُطلقت بلا توافق دولي حقيقي، ولا رؤية سياسية قابلة للصمود، فكان مصيرها أن تتآكل من الداخل. وبين ضبابية الموقف الأميركي، وتصلّب الحسابات الإسرائيلية، وانتظار الفلسطينيين على بوابات المعابر، تبقى غزة معلّقة في فراغ خطير… فراغ تُبدَّل فيه الوجوه، بينما يبقى المصير مؤجّلًا.

Leave a comment