بين واشنطن وباريس: الجيش اللبناني في لحظة اختبار تاريخية

بقلم: نيكول دوبريه

سلامُنا بوست

ليست زيارة قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، إلى الولايات المتحدة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن التحوّلات الدقيقة التي يمرّ بها لبنان أمنيًا وسياسيًا. فهي تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة مسارات شديدة الحساسية: مسار تثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مسار إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية في ملف السلاح غير الشرعي، ومسار إنقاذ المؤسسة العسكرية من إنهاك مزمن يهدد قدرتها على الصمود.

منذ وصوله إلى قاعدة ماكديل الجوية في تامبا، حيث مقر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، بدا واضحًا أن جدول أعمال قائد الجيش يتجاوز حدود التنسيق العسكري التقليدي. فالمباحثات التي يجريها مع كبار القادة الأميركيين، ثم مع مسؤولين في إدارة الرئيس دونالد ترامب وأعضاء نافذين في الكونغرس، تهدف عمليًا إلى إعادة تثبيت الجيش اللبناني كشريك أمني لا غنى عنه، لا كقوة احتياطية تُستدعى عند الضرورة.

زيارة ما بعد التأجيل

هذه هي الزيارة الأولى للعماد هيكل إلى واشنطن منذ تسلّمه منصبه في آذار/مارس 2025، وهي زيارة مؤجلة في الأصل، بعدما أُلغيت نهاية العام الماضي على خلفية اعتراضات داخل الكونغرس الأميركي. لكن توقيتها الحالي يبدو أكثر دلالة: فالجيش اللبناني يقف اليوم على أعتاب مرحلة ثانية شديدة التعقيد من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بوساطة أميركية – فرنسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

حتى الآن، انحصر انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، حيث تولّى عمليًا الحلول مكان حزب الله، بالتوازي مع تعزيز دور قوات اليونيفيل. غير أن المرحلة المقبلة، كما تُناقش في الكواليس الدبلوماسية والعسكرية، قد تتطلّب توسيع نطاق العمليات شمال الليطاني، وربما وصولًا إلى نهر الأولي جنوب بيروت. وهي مهمة تتجاوز القدرات الحالية لجيش يعاني نقصًا حادًا في العتاد والتمويل والعديد.

هنا تحديدًا تبرز أهمية الزيارة. فالعماد هيكل لا يطلب غطاءً سياسيًا فحسب، بل يسعى إلى تأمين دعم عملي يتيح للجيش تنفيذ مهامه من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو الوقوع تحت ضغط إقليمي متناقض. وتدرك واشنطن، كما باريس، أن أي فشل في تمكين الجيش سيعني تلقائيًا إعادة إنتاج الفراغ، أو ترك الساحة لمعادلات الأمر الواقع التي أثبتت فشلها.

مواجهة التحديات الداخلية

في الداخل اللبناني، يتعامل رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة بحذر بالغ مع هذا الملف. فالمعادلة دقيقة: المطلوب تنفيذ الالتزامات الدولية من جهة، وتفادي صدام مباشر مع ما تبقّى من قدرات حزب الله من جهة أخرى، في ظل بيئة داخلية منهكة، واقتصاد لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة.

وليس تفصيلًا أن قائد الجيش فضّل، بحسب مصادر صحفية، عدم عرض خطته الكاملة للمرحلة الثانية من نزع السلاح على مجلس الوزراء في الوقت الراهن، حفاظًا على المرونة العملياتية، وتفاديًا لتحويل النقاش الأمني إلى ساحة سجال سياسي. هذا القرار، بحد ذاته، يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة اللحظة وخطورة التسرّع.

واشنطن… وحجر الزاوية

الاجتماعات المغلقة التي عقدها هيكل في سنتكوم مع الأميرال براد كوبر، المسؤول العسكري الأميركي الأرفع للشرق الأوسط، إضافة إلى التنسيق القائم مع الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، المكلف ملف نزع السلاح، تشير إلى أن واشنطن تتعامل مع الجيش اللبناني بوصفه حجر الزاوية في أي مقاربة واقعية للاستقرار.

صحيح أن إسرائيل تواصل، رغم وقف إطلاق النار، تنفيذ ضربات جوية في جنوب لبنان بذريعة منع إعادة تسلّح حزب الله، وصحيح أن منسوب الشكوك لا يزال مرتفعًا داخل الكونغرس الأميركي، لكن شهادة السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، أمام الكونغرس، حين وصف الجيش اللبناني بـ”الشريك الموثوق”، تعكس تحوّلًا مهمًا في المزاج السياسي الأميركي.

لبنان… والمعركة المصيرية

كل ذلك يقودنا إلى مؤتمر باريس المرتقب في الخامس من آذار/مارس المقبل. فهذا المؤتمر لا يجب أن يُختصر بشعارات الدعم أو بيانات التضامن، بل يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد المجتمع الدولي للاستثمار في الدولة اللبنانية، لا في توازنات الهشاشة. الدعم المطلوب ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لمنع الانزلاق إلى فوضى أمنية أو وصاية غير معلنة.

بين واشنطن وباريس، يقف الجيش اللبناني اليوم في قلب معركة هادئة ولكن مصيرية: معركة تثبيت نفسه كعمود فقري للدولة، لا كقوة تنتظر التسويات. ونجاح هذه المعركة لن يكون انتصارًا لمؤسسة عسكرية فحسب، بل فرصة نادرة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، في بلد أنهكته ازدواجية السلاح وتعبت من الانتظار.

Leave a comment