واشنطن: حين تُصبح الغربة وعدًا… ويُصبح أبي “رعدًا” في صميمها!

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

حين وطئتُ واشنطن، شعرتُ أنّ المدن التي سبقتها كانت تُعدّني لها: حنين زغرب، صرامة موسكو، أناقة لندن، ووجع بيروت… وكأنّ كل مدينةٍ مررتُ بها تركت في داخلي شقًّا صغيرًا، فجاءت واشنطن لتملأه بمعنى مختلف. هنا، لا يتخاصم التاريخ مع الحلم، بل يتصافحان. وهنا، لا تبدو الغربة فخًّا، بل وعدًا مؤجّلًا بالطمأنينة.

في الأيام الأولى لإقامتي وعَملي في العاصمة الأميركية، كنتُ أراقب الشوارع كما لو أنّني أقرأ نصًّا مفتوحًا على احتمالاتٍ لا تُحصى. المباني ليست شاهقة فحسب، بل مثقلة بالرموز. الوجوه ليست متشابهة، لكنّها متصالحة مع اختلافها. ووسط هذا المشهد، عاد إليّ والدي… لا بصوته فقط، بل بمواقفه.

مراجعة ذاتية في زمن الشهامة

تذكّرتُ ما كتبه والدي، جمال، على صفحته الفيسبوكية في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تحت عنوان: “بارقة أمل”. يومها، لم أقرأ كلماته بوصفها موقفًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها مراجعة ذاتٍ نادرة لرجلٍ عُرف، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بكونه من أشرس المنتقدين للسياسات الأميركية.

كان نصّه يومذاك أشبه بإقرارٍ شجاع بأنّ العالم لا يتغيّر فقط عندما تتغيّر الشعارات، بل حين يجرؤ المرء على إعادة النظر في قناعاته القديمة. تحدّث عن دينامية الرئيس الأميركي المنتخَب آنذاك، دونالد ترامب، وعن مؤشراتٍ توحي بأنّ الولايات المتحدة تقف على أعتاب تحوّلٍ في مقاربتها لدورها في العالم، تحوّلٍ قد يعيد لها شيئًا من اتزانها المفقود.

لم يكن والدي يكتب من موقع المُنبهِر، بل من موقع المُتأمّل الحذر. كان يقول، ضمنًا، إنّ معارضة السياسات الأميركية في الماضي لا تعني العمى عن احتمالات التغيير في الحاضر، وإنّ مراجعة الذات ليست ضعفًا، بل شرطًا أخلاقيًا للعبور نحو مستقبلٍ أليق بالشعوب.

ترامب وأسلافه… و”الدولة العميقة”

من هنا، بدا لي الفارق بين دونالد ترامب وكثيرٍ من أسلافه – ديمقراطيين وجمهوريين – فارقًا يستحقّ التوقّف عنده، لا سيما لجهة ما يظهر، تباعًا، من مؤشراتٍ على رفضه الرضوخ التلقائي لضغوط ما يُسمّى بـ”الدولة العميقة”، تلك التي أوصلت غيره إلى البيت الأبيض، ثمّ كبّلتهم داخل ممرّاتها المعتمة.

أتذكّر كيف تحوّل بيل كلينتون، في أواخر القرن العشرين، من رئيسٍ يقسم على الحقيقة، إلى نموذجٍ فاضح لانفصام الخطاب عن الواقع. وكيف وقف لاحقًا في موسكو عام 2000 ليُقايض المواقف الأخلاقية بالمصالح العارية، مختصرًا السياسة بجملةٍ باردة: “أنتم اختلفتم معي في يوغسلافيا وأنا أختلف معكم في الشيشان”.

القوطبة في زمن العولمة

ثمّ جاء جورج دبليو بوش، ليُجهض، بما سُمّي آنذاك “القوطبة”، ما كان قد بُني بعناية بين واشنطن وموسكو وعددٍ من العواصم الأوروبية. ومع هجمات 11 أيلول/سبتمبر، أُعيد رسم العالم بخطٍّ واحد: “من ليس معنا فهو مع الإرهاب”، وكأنّ الرمادي لم يعد مسموحًا له بالوجود.

دخل باراك أوباما البيت الأبيض رافعًا شعار “المصالحة مع العالم الإسلامي”، قبل أن تنزلق المنطقة إلى ما سُمّي بـ”ربيع العرب”، وقبل أن يُوقَّع الاتفاق النووي مع إيران، الذي سرعان ما تحوّلت مفاعيله المالية إلى وقودٍ لصراعاتٍ إقليمية تحت لافتة “وحدة الساحات”.

إشراقة ترامب

في ولايته الأولى، بدا دونالد ترامب استثناءً صاخبًا. ألغى الاتفاق النووي مع إيران، لا بدافع المغامرة، بل انطلاقًا من قراءةٍ تعتبره مثقوبًا في جوهره. خطوةٌ أغضبت الديمقراطيين وأربكت “الدولة العميقة” في آنٍ واحد.

ثمّ جاءت سنوات جو بايدن، ثقيلة، متردّدة، وكأنّ الجبل الأميركي تمخّض فولد… بيضًا. أربع سنوات لم تُنتج تحوّلًا يُذكر، قبل أن يعود ترامب إلى البيت الأبيض، هذه المرّة، ليستكمل ما بدأه: تنظيم العلاقة مع إسرائيل من دون التفريط بجوهر المصالح،

محاولة تأسيس أفقٍ جديد للسلام انطلاقًا من غزة، تنظيف “الفناء الخلفي” الأميركي من أنظمةٍ تحوّلت إلى عبءٍ مزمن، التعاطي مع روسيا بندّيةٍ أخلاقية لا بلغة الإملاء، والأهمّ، محاولة الفكاك من عناكب الدولة العميقة التي كادت أن تُفرغ الحلم الأميركي من وهجه التاريخي، ذلك الوهج الذي يعود، في جذوره، إلى أبراهام لينكولن وتوماس جيفرسون، وربما إلى ما قبل ذلك بكثير.

خلاصة القول

وأنا هنا، في واشنطن، أرى ما رآه والدي من بعيد. أرى بلدًا لا يزال يملك القدرة على تصحيح مساره، إن توافرت الإرادة. أرى مجتمعًا حيًّا، لا مثاليًا، لكنه قابل للنقد والإصلاح. وأفهم الآن لماذا لم يكن موقف والدي تبدّلًا بقدر ما كان نضجًا.

أقول له، من هذه المدينة التي صارت جزءًا من يومي: لا أنكر أنّ صوابية كلامك هي التي حفّزتني على التوجّه إلى الولايات المتحدة بعد أسابيع قليلة من لقائنا الأخير في أثينا. هي التي منحتني الشجاعة لأرى من الداخل ما رأيتَه أنت، بدقّة رؤياك، من الخارج.

دمتَ لي أبًا مُلهمًا، وحارسًا للمعنى، في كلامٍ لا يُقال لملء الفراغ، بل ليُبنى عليه الموقف العامّ بأريحيةٍ واتزان.

Leave a comment