بقلم: إميلي غرينوود
سلامُنا بوست
لا يبدو أن اسم جيفري إبستين قد طُوي مع موته الغامض في زنزانته الأميركية. فالرجل الذي أدين بجرائم جنسية صادمة، تحوّل إلى شبحٍ سياسيّ وأخلاقيّ يلاحق النخب الغربية حيثما وُجدت علاقاتٌ قديمة أو صمتٌ مريب. وفي بريطانيا اليوم، يطرق هذا الشبح أبواب داونينغ ستريت، واضعًا رئيس الوزراء كير ستارمر أمام اختبار قاسٍ يتجاوز الحسابات الحزبية إلى جوهر الثقة العامة بالحكم.
إبستين: قضية أخلاقية عابرة للحدود
لم تكن فضيحة جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي. لقد كشفت شبكة علاقات معقّدة ربطت المال بالسياسة، والنفوذ بالصمت، ووضعت شخصيات وازنة في الغرب أمام أسئلة محرجة عن التواطؤ، أو على الأقل عن غضّ الطرف. ومنذ تفجّر القضية، بات أيّ اقتران سياسي باسم إبستين بمثابة قنبلة موقوتة، تهدّد سمعة المؤسسات قبل الأفراد.
استقالات متتالية… وارتباك في قلب السلطة
في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تلقّى مكتب رئيس الوزراء البريطاني ضربتين متتاليتين. فبعد استقالة مورغان ماكسويني، أحد أقرب مستشاري كير ستارمر وأكثرهم نفوذًا، أعلن تيم آلن، مدير الاتصالات في داونينغ ستريت، استقالته بدوره، مبرّرًا قراره بالرغبة في “السماح بتشكيل فريق جديد”.
الاستقالات لم تُقرأ بوصفها إجراءات إدارية فحسب، بل كإشارات على عمق الأزمة التي بدأت تهزّ قلب السلطة التنفيذية.
بيتر ماندلسون… نقطة الانفجار
تعود جذور العاصفة إلى تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، رغم علاقاته المعروفة مع إبستين. اعتراف ستارمر بأنه كان على علم بتلك العلاقة قبل التعيين، ثم إقراره لاحقًا بأن ماندلسون “كذب مرارًا” بشأن حجم اتصالاته بالملياردير المدان، فتح الباب واسعًا أمام التشكيك في معايير الاختيار، وفي جدّية التدقيق الأخلاقي داخل الحكومة.
اعتذار رئيس الوزراء لضحايا إبستين، وحديثه عن “خيانة” ماندلسون للبلاد، لم ينجحا في إغلاق الملف، بل زادا من حدّة الأسئلة: كيف مرّ هذا التعيين؟ ومن يتحمّل المسؤولية السياسية عنه؟
شرعية القرار أم أزمة القيادة؟
القضية، في جوهرها، لم تعد محصورة في أسماء بعينها، بل في صورة الحكومة نفسها. فالتشكيك يطال قدرة كير ستارمر على إدارة فريقه، وعلى اتخاذ قرارات حصيفة في مواقع حساسة تمسّ سمعة الدولة البريطانية في الخارج.
وفي وقت يسابق فيه رئيس الوزراء الزمن لترسيخ موقعه في الحكم، يجد نفسه محاصرًا بنواب غاضبين، ومعارضة شرسة، ورأي عام بدأ يربط بين الأخطاء السياسية والارتباك القيادي.
خطاب الاعتذار… وحدوده
في اجتماع مع موظفي مكتبه في داونينغ ستريت، حاول ستارمر استعادة زمام المبادرة، مؤكدًا ندمه على تعيين ماندلسون، ومشدّدًا على أن “السياسة يمكن أن تكون قوة من أجل الخير”. غير أن هذا الخطاب، على نبرته الأخلاقية، بدا لكثيرين محاولة لاحتواء الضرر أكثر منه معالجة لجذور الأزمة.
معارضة تتقدّم… وغضب داخل الحزب
رفض ستارمر الدعوات المطالبة بتنحيه، مؤكدًا عبر مكتبه أنه يركّز على مواصلة مهامه. لكن الغضب لم يهدأ.
زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوك، حمّلته مسؤولية القرار، معتبرة أن “القادة هم من يتخذون القرار، وعليهم تحمّل نتائجه”. وفي تطوّر أكثر حساسية، امتدّ الاعتراض إلى داخل حزب العمال نفسه، حيث طالب عدد من النواب رئيس الحكومة بالتنحي، مع اقتراب انتخابات محلية مفصلية في مايو المقبل.
سياق سياسي أكثر قتامة
تأتي هذه الأزمة في لحظة دقيقة للحكومة العمالية، التي تشهد تراجعًا ملحوظًا في نسب التأييد، وصعودًا لافتًا لحزب “الإصلاح” اليميني المتطرف. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب شعور جزء من القاعدة العمالية بالإحباط، تجعل من فضيحة إبستين عاملًا مضاعفًا للتآكل السياسي، لا مجرّد حدث عابر.
ما بعد الفضيحة
قضية إبستين، بما تحمله من رمزية أخلاقية ثقيلة، وضعت كير ستارمر أمام امتحان لا يتعلّق فقط بالبقاء في المنصب، بل بمعنى القيادة في زمن تتآكل فيه الثقة العامة.
فهل تكفي الاستقالات والاعتذارات لإغلاق الجرح؟ أم أن بريطانيا تقف أمام لحظة محاسبة أعمق، عنوانها: من يحرس القيم حين تصل السلطة إلى مفترق الأخلاق؟

Leave a comment