بقلم: سيرينا مارغيلوفا
سلامُنا بوست
كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، استنادًا إلى بيانات نشرها الجيش الإسرائيلي بموجب قانون حرية المعلومات، أنّ أكثر من خمسين ألف جندي في صفوفه يحملون جنسية أجنبية إضافية إلى جانب الإسرائيلية. الرقم – 50,632 – ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل مؤشرٌ على ظاهرة آخذة في الاتساع.
بعض هؤلاء يحمل جنسية واحدة إضافية، فيما يحمل 4,440 جنديًا جنسيتين أجنبيتين، و162 جنديًا ثلاث جنسيات أجنبية إلى جانب الإسرائيلية. في طليعة القائمة جنود يحملون الجنسية الأميركية (أكثر من 12 ألفًا)، تليها الفرنسية ثم الروسية، فضلًا عن آلاف من حاملي الجنسيات الألمانية والأوكرانية والبريطانية والرومانية والبولندية والإثيوبية والكندية.
اللافت، وإن كان بأعداد محدودة، وجود جنسيات عربية ضمن القائمة: يمنية، تونسية، لبنانية، سورية، وجزائرية.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام حالة صحّية تعبّر عن انفتاحٍ اجتماعي وتداخلٍ ثقافي؟ أم أمام ازدواجيةٍ تطرح إشكاليات سياسية وأخلاقية في لحظة حربٍ مفتوحة؟
إسرائيل والحرب على سبع جبهات: الهوية في اختبار النار
تخوض إسرائيل منذ سنوات صراعًا متعدد المستويات: مع غزة، جنوب لبنان، الساحة السورية، التوتر مع إيران، التهديدات في البحر الأحمر، المواجهات غير المباشرة في الضفة الغربية، إضافة إلى الضغوط الدولية المتصاعدة.
في هذا السياق، يصبح وجود جنود يحملون جنسيات دولٍ معنية مباشرة أو غير مباشرة بالصراع مسألةً حساسة.
من زاويةٍ أولى، يمكن النظر إلى الظاهرة بوصفها انعكاسًا لطبيعة المجتمع الإسرائيلي ذاته، الذي تشكّل تاريخيًا من موجات هجرة متعددة. الانتماء المزدوج هنا ليس تناقضًا بقدر ما هو استمرار لفكرة “العودة” كما يتصوّرها المشروع القومي الإسرائيلي: دولةٌ تستوعب أبناء الشتات، حتى لو احتفظوا بجنسياتهم الأصلية.
لكن من زاويةٍ أخرى، لا يمكن تجاهل البعد القانوني والأخلاقي: كيف يُقرأ انخراط جندي يحمل جنسية دولةٍ ما في عمليات عسكرية تمسّ بصورة مباشرة أو غير مباشرة مصالح تلك الدولة أو محيطها الإقليمي؟
هل تظلّ الجنسية الثانية مجرّد وثيقة سفر، أم تتحول إلى سؤال ولاء؟
بين الاندماج والتناقض: قراءة اجتماعية
في المجتمعات المعولمة، لم تعد الجنسية مؤشرًا حصريًا على الهوية السياسية. ملايين البشر يحملون جنسيات مزدوجة من دون أن يعني ذلك ازدواجيةً في الالتزام الوطني. من هذا المنظور، قد تبدو الظاهرة طبيعية في دولةٍ تعتمد على الهجرة وتعترف بازدواج الجنسية.
غير أنّ خصوصية الحالة الإسرائيلية تكمن في الطابع الوجودي للصراع. فالجيش ليس مؤسسة دفاعية تقليدية فحسب، بل هو ركيزة الهوية الوطنية. وعندما تتعدد جنسيات أفراده، يصبح السؤال مشروعًا: هل يعزّز ذلك عمق الارتباط العالمي بإسرائيل؟ أم يفتح ثغرات قانونية وسياسية في حال تصاعدت المواجهات؟
ما وراء الأرقام: اليهود الإيرانيون ومسارات العودة
ثمة بُعد آخر لا تتناوله الأرقام المنشورة: آلاف اليهود الإيرانيين الذين يزورون إسرائيل سنويًا عبر محطات وسيطة مثل قبرص واليونان، ثم يعودون إلى إيران. هذه الحركة – بصرف النظر عن توصيفها السياسي – تكشف أن الجغرافيا الصلبة لا تلغي الروابط العابرة للحدود.
في هذا السياق، تصبح ازدواجية الجنسية جزءًا من شبكةٍ أوسع من العلاقات والهويات المتداخلة. لكنها تظلّ، في زمن الحرب، موضع تدقيق.
حالة صحّية أم عارضٌ مرحلي؟
الجواب ليس بسيطًا. إن اعتُبرت الظاهرة تعبيرًا عن ثقة دولةٍ بنفسها وبقدرتها على استيعاب تعددية الانتماءات، فهي حالة صحّية، تعكس اندماجًا عالميًا واستقطابًا لجاليات واسعة.
أما إذا تحوّلت إلى عامل توتر دبلوماسي أو مصدر مساءلات قانونية في الدول الأخرى، فقد تصبح عبئًا، لا سيما في ظل تصاعد الدعوات الدولية لمحاسبة أي انتهاكات محتملة في النزاعات الجارية.
في المحصلة، تبدو ازدواجية الجنسيات في صفوف الجيش الإسرائيلي مرآةً لتعقيد العصر أكثر مما هي استثناء. إنها تجسيد لعالمٍ لم تعد فيه الحدود كافية لتعريف الهوية، ولا الجنسية الواحدة كافية لحسم سؤال الولاء.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكرّس السنوات المقبلة هذا النموذج بوصفه علامة قوةٍ ناعمة، أم ستكشف عن تناقضاتٍ أعمق كلما اشتدّ لهيب الجبهات؟
ربما الإجابة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الطريقة التي سيتعامل بها العالم – وإسرائيل نفسها – مع مفهوم الانتماء في زمن الحروب المتشابكة.
سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية

Leave a comment