بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
ليس تفصيلًا عابرًا أن يحطّ رئيس دولة أوروبية كبرى في بيروت في هذا التوقيت الدقيق. زيارة فرانك-فالتر شتاينماير إلى لبنان، وما حملته من رسائل واضحة حول ضرورة مواصلة نزع سلاح “حزب الله”، لم تأتِ من فراغ. ثمة اهتمام دولي متزايد بلبنان، يتغذّى من إشارات متلاحقة تصدر عن الشرعية اللبنانية، تؤكد فيها عزمها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمعين الدولي والعربي، وكذلك تجاه الداخل اللبناني المنهك.
لكن، في المقابل، يقف الحزب حجر عثرة في طريق هذا المسار، كما بدا جليًا في خطاب أمينه العام نعيم قاسم، الذي دعا الدولة صراحة إلى “وقف كل تحرّك عنوانه حصر السلاح”. هنا، تتكثّف المعضلة اللبنانية في مشهد واحد: دولة تحاول الإمساك بزمام سيادتها، وتنظيم سلاحها تحت سقف الشرعية، في مقابل تنظيم مسلح يصرّ على إعادة إنتاج خطابه التأسيسي، وكأن الزمن لم يتبدّل.
لحظة سياسية مختلفة
منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في يناير 2025، انبثق فجر سياسي مختلف في الشكل والمضمون عن العهود السابقة. ليس الأمر مجرد تبدّل أسماء، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية: من دولة تسويات ظرفية إلى دولة قرار سيادي واضح.
في المؤتمر الصحفي المشترك في بيروت، لم يكتفِ شتاينماير بالدعوة إلى التزام الطرفين باتفاق وقف إطلاق النار، بل شدد على أنّ استمرار نزع سلاح “حزب الله” يهيّئ الظروف لانسحاب إسرائيل من المواقع التي ما تزال تحتلها في الجنوب. الرسالة هنا مزدوجة: الخارج مستعد لدعم الدولة، لكنه ينتظر أفعالًا لا أقوالًا.
الرئيس اللبناني، من جهته، كان صريحًا: “لم نعد قادرين على تحمّل نزاعات أيّ كان ولا أعباء أيّ كان”. هذه الجملة تختصر عقودًا من تحميل لبنان أثقال حروب الآخرين وصراعاتهم.
من الليطاني جنوبًا… إلى شماله
عمليًا، أعلنت الحكومة اللبنانية في أغسطس الماضي خطة حصر السلاح بيد الدولة، وكُلّف الجيش تنفيذها. المرحلة الأولى، التي شملت جنوب نهر الليطاني، أُنجزت وفق ما أعلن الجيش مطلع يناير. واليوم، تدخل البلاد المرحلة الثانية شمال الليطاني، بمهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد، وفق ما أعلنه وزير الإعلام بول مرقص، استنادًا إلى تقرير قيادة الجيش.
هذه ليست مجرد خطوة تقنية أو إجرائية. إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة التوازنات إلى فرض القواعد. فالمسألة لا تتعلق فقط بسحب مواقع مكشوفة سبق أن استهدفتها إسرائيل، بل بإعادة تعريف مفهوم “السيادة” نفسه: هل هي سيادة انتقائية، أم شاملة؟
في موازاة ذلك، يواصل الرئيس عون اتصالاته الدولية، داعيًا الولايات المتحدة إلى الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ومطالبًا بدعم الجيش اللبناني ليتمكن من الانتشار حتى الحدود الدولية. هنا يتقاطع المساران: لا يمكن مطالبة الخارج بالضغط على إسرائيل، فيما الداخل يعجز عن حسم مسألة السلاح غير الشرعي.
خطاب لم يتغيّر منذ الثمانينيات
في كلمته الأخيرة، اعتبر نعيم قاسم أن التركيز على نزع السلاح “خطيئة كبرى” تخدم أهداف العدوان الإسرائيلي. لكن هذا الخطاب، في جوهره، هو ذاته الذي رافق تأسيس الحزب في ثمانينيات القرن الماضي، في ظل الوصايتين السورية والإيرانية، بعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إثر الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
لم يتبدّل المنطق: السلاح أولًا، والدولة لاحقًا. المقاومة فوق المؤسسات، والسيادة تُعرَّف من زاوية الصراع المفتوح. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال لبنان يحتمل هذا التعريف؟
لقد تغيّر الإقليم، وتبدّلت موازين القوى، وتحوّلت أولويات المجتمع الدولي. حتى الداخل اللبناني، الذي دفع أثمانًا باهظة في الاقتصاد والهجرة والانهيار المالي، لم يعد مستعدًا لتحمّل كلفة ازدواجية السلاح والقرار.
بين فرصة الخارج واستحقاق الداخل
الاهتمام الألماني، كما الأميركي، ليس عاطفيًا. إنه مشروط. المجتمع الدولي ينظر إلى لبنان باعتباره فرصة: فرصة لإعادة تثبيت نموذج الدولة في منطقة مضطربة. لكن هذه الفرصة مشروطة بقدرة السلطة اللبنانية على ترجمة وعودها إلى أفعال.
المفارقة أن الحزب، الذي يحمّل الدولة مسؤولية “الطمع الإسرائيلي”، يتجاهل أن استمرار السلاح خارج إطار الشرعية هو الذريعة الدائمة لأي اعتداء. فهل تُبنى السيادة عبر تعدّد مراكز القرار، أم عبر احتكار الدولة وحدها لاستخدام القوة؟
العهد أمام امتحانه الأكبر
العهد الجديد أمام امتحانه الأكبر. ليس فقط في الجنوب، ولا فقط في شمال الليطاني، بل في إعادة صياغة العقد السياسي اللبناني. إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلبًا خارجيًا فحسب، بل شرطًا داخليًا لاستعادة الثقة، ووقف النزف، وبناء اقتصاد قابل للحياة.
قد يبدو الطريق طويلًا، وقد تتعثر المرحلة الثانية، وربما تتعالى الأصوات الرافضة. لكن التاريخ اللبناني علّمنا أن اللحظات الفارقة لا تُقاس بضجيج المعارضين، بل بقدرة الدولة على الثبات.
لبنان اليوم يقف بين نافذة الخارج المفتوحة، وجدار الداخل الصلب. فإمّا أن يحوّل الاهتمام الدولي إلى رافعة سيادية حقيقية،
وإمّا أن يبقى أسير خطاب لم يتغيّر منذ أربعة عقود، فيما العالم من حوله يتغيّر كل يوم.

Leave a comment