بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يعد الحديث في واشنطن يدور حول ما إذا كان الصدام مع طهران ممكنًا، بل حول شكله وحدوده وتوقيته. فالتسريبات المنقولة عن وكالة رويترز تكشف أن التخطيط العسكري الأميركي بلغ مرحلة متقدمة، مع سيناريوهات تشمل استهداف قادة بعينهم داخل إيران، بل وحتى احتمال السعي إلى تغيير النظام، إذا ما صدر القرار السياسي من الرئيس دونالد ترامب.
هنا لا تعود المسألة تقنية عسكرية بحتة، بل تتحول إلى مفترق استراتيجي يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام ثلاثة مسارات كبرى: ضربة محدودة عالية الدقة، حملة قصف موسّعة، أو رهان أخير على الدبلوماسية المشروطة بالقوة.
خيار “الاستهداف النوعي” – الاغتيال كأداة ردع
التجربة السابقة لترامب في ولايته الأولى لا تزال حاضرة بقوة في الحسابات الحالية. ففي عام 2020، وافق على استهداف قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في عملية شكّلت سابقة نوعية في المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران.
كما أن إدارة ترامب كانت قد صنّفت الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية عام 2019، في خطوة غير مسبوقة بحق كيان عسكري رسمي تابع لدولة ذات سيادة.
اليوم، يعود هذا النموذج إلى الطاولة. فاستهداف قيادات عسكرية أو أمنية محددة داخل إيران يحمل مزايا واضحة: تقليص نطاق التصعيد مقارنة بحرب شاملة، إحداث خلل في منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، وتوجيه رسالة ردع حاسمة دون التورط في احتلال بري.
وقد استند أحد المسؤولين الأميركيين، بحسب التسريبات، إلى تجربة إسرائيل خلال حربها القصيرة مع إيران العام الماضي، والتي قُتل فيها عدد من كبار القادة، بينهم رئيس الأركان الإيراني محمد باقري.
غير أن هذا الخيار محفوف بتعقيدات استخباراتية هائلة: تحديد الموقع الدقيق، حساب الأضرار الجانبية، وتقدير رد الفعل الإيراني. كما أن أي خطأ في التقدير قد يحوّل “الضربة الجراحية” إلى شرارة حرب إقليمية.
حملة قصف واسعة – من المنشآت النووية إلى البنية الأمنية
الخيار الثاني يتمثل في عملية عسكرية تستمر أسابيع، تستهدف البنية التحتية النووية والأمنية الإيرانية. الولايات المتحدة حشدت بالفعل قدرات بحرية وجوية ضخمة في الشرق الأوسط، تعتمد أساسًا على: حاملات الطائرات، القاذفات بعيدة المدى، وصواريخ دقيقة الإطلاق.
لكن هذا السيناريو يفتح أبوابًا أخطر بكثير: رد إيراني على القواعد الأميركية المنتشرة في الأردن والكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات وتركيا، احتمال إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وانخراط قوى دولية، خصوصًا مع مؤشرات على تحركات بحرية روسية في خليج عُمان.
هنا تتحول الضربة من عملية عقابية إلى مقامرة جيوسياسية مفتوحة، قد ترفع أسعار النفط، وتدفع المنطقة بأكملها إلى حالة عدم استقرار طويلة الأمد.
تغيير النظام – الرغبة السياسية وحدود الواقع
ألمح ترامب علنًا إلى أن تغيير النظام في طهران قد يكون “أفضل ما يمكن أن يحدث”. غير أن تجارب إسقاط الأنظمة بالقوة – من العراق إلى أفغانستان – ما تزال تلقي بظلال ثقيلة على أي تفكير مشابه.
تغيير النظام عادةً ما يتطلب: قوة برية كبيرة، تحالفًا دوليًا واسعًا، وتصورًا واضحًا لمرحلة ما بعد السقوط.
وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه الشروط بعيدة المنال. فالمجتمع الإيراني مركّب، والنظام يمتلك أدوات أمنية وعقائدية متماسكة، كما أن أي فراغ مفاجئ قد يفتح الباب لفوضى داخلية أو حرب أهلية.
قد تلجأ واشنطن إلى أدوات غير تقليدية: عمليات خاصة، دعم داخلي لقوى معارضة، ضغط اقتصادي خانق. لكن نجاح هذا المسار يظل رهينة عوامل لا يمكن التحكم بها بالكامل.
إسرائيل بين الضرورة والاندفاعة
بالنسبة لإسرائيل، المسألة وجودية. فهي ترى أن امتلاك إيران سلاحًا نوويًا خط أحمر مطلق. ومنذ سنوات، تتبنى عقيدة “المعركة بين الحروب” لاستنزاف القدرات الإيرانية ومنع تموضعها الاستراتيجي.
إلا أن إسرائيل تدرك أيضًا أن أي حرب شاملة مع إيران ستعني: مواجهة مباشرة مع شبكة حلفاء طهران في المنطقة، ضرب العمق الإسرائيلي بصواريخ دقيقة، ودخول الاقتصاد الإسرائيلي في مرحلة استنزاف قاسية.
لذلك، فإن تل أبيب تميل تقليديًا إلى ضربات استباقية دقيقة ومدروسة، لكنها تحتاج في النهاية إلى الغطاء الأميركي الكامل إذا ما تطور التصعيد إلى مواجهة واسعة.
نافذة الدبلوماسية – المهلة الأخيرة؟
رغم قرع طبول الحرب، لا تزال نافذة التفاوض مفتوحة، ولو بشق ضيق. التصريحات المتبادلة تشير إلى فجوة واسعة، لكن أيضًا إلى استمرار التواصل. فالولايات المتحدة تقول إن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وإيران تقول إنها لن تبدأ حربًا، لكنها سترد بقوة إذا تعرضت لهجوم.
المهلة التي لمح إليها ترامب – بين 10 و15 يومًا – تبدو كعدٍّ تنازلي: إما اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني بشكل حاسم، أو انتقال إلى أحد الخيارات العسكرية.
وأي قرار عسكري لن يكون مجرد رد فعل على ملف نووي، بل إعادة رسم لموازين القوى في الشرق الأوسط: نجاح ضربة محدودة قد يعزز الردع الأميركي والإسرائيلي، فشلها أو توسعها قد يطلق حربًا إقليمية تتجاوز السيطرة، واتفاق دبلوماسي صارم قد يمنح الجميع هدنة استراتيجية، لكنه سيثير معارضة داخلية في كل من واشنطن وتل أبيب وطهران.
بين النار والنافذة الصغيرة
في لحظات كهذه، يبدو الشرق الأوسط كأنه يقف على حافة هاوية يعرف الجميع عمقها، لكن لا أحد يجرؤ على النظر طويلًا فيها.
الحرب ليست مجرد صواريخ وقاذفات؛ إنها انهيار توازنات، وانفجار أسواق، وارتباك شعوب، وخرائط يعاد رسمها بدم بارد.
ربما يدرك صانعو القرار في واشنطن وتل أبيب أن الضربة الأولى قد تكون سهلة، لكن الضربة الأخيرة لا يمكن التنبؤ بها. وربما تدرك طهران أن التصلب المطلق قد يحوّل التهديد إلى واقع.
في النهاية، يبقى السؤال معلّقًا بين السماء والخليج: هل تُختار النار لإثبات الردع، أم يُمنح السلام فرصة أخيرة، ولو كانت ضيقة كخيط ضوء في آخر نفق مضطرب؟
ذلك هو الرهان… وتلك هي اللحظة.

Leave a comment