بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
حين تصل حاملة الطائرات الأميركية USS Gerald R. Ford إلى جزيرة كريت اليونانية، لا يكون الأمر تفصيلًا عابرًا في نشرة الأخبار. في الجغرافيا العسكرية، المسافات تختصر النوايا، والرسائل تُكتب بالفولاذ قبل أن تُقال بالكلمات. أن تتموضع أقوى حاملة طائرات في الأسطول الأميركي على بُعد يوم واحد من الإبحار نحو شرق المتوسط، فذلك يعني أن السياسة بلغت مرحلة “الجاهزية العملياتية”، حتى لو استمرت لغة الدبلوماسية في الواجهة.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، التي حذّر فيها إيران من “يوم سيئ للغاية” إذا فشل الاتفاق النووي، لم تكن مجرد ضغط تفاوضي. هي أقرب إلى إنذار مُسبق، يضع طهران أمام معادلة واضحة: إمّا اتفاق بشروط أميركية معدّلة، وإمّا مواجهة مفتوحة العواقب.
بين التهديد والتفضيل الدبلوماسي
يحرص ترامب على تأكيد أنه يفضّل الحل الدبلوماسي، لكنه في الوقت ذاته يشدد على أن الرد سيكون “قاسيًا” إذا انهار المسار التفاوضي. هذه الازدواجية ليست تناقضًا بقدر ما هي تكتيك تفاوضي: تصعيد محسوب لرفع سقف الضغط قبل الجولة غير المباشرة المرتقبة بين الأميركيين والإيرانيين في جنيف الخميس المقبل.
واشنطن تريد اتفاقًا يمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية، ويقيّد برنامج الصواريخ، ويضبط أذرع طهران الإقليمية. أما طهران، فتسعى إلى رفع العقوبات وضمانات بعدم الانسحاب الأميركي مجددًا من أي اتفاق، كما حصل سابقًا. وبين السقفَين تتراكم فجوة ثقة عميقة.
اكتمال الاستعدادات… رسالة ردع أم تمهيد لضربة؟
وصول “جيرالد فورد” إلى كريت يندرج في إطار ما يمكن تسميته “الردع المتقدّم”. فالحاملة لا تمثل قطعة بحرية عادية، بل منظومة متكاملة تضم عشرات الطائرات المقاتلة وأنظمة إنذار مبكر وقدرات هجومية بعيدة المدى. تموضعها في المتوسط يضع المنشآت النووية الإيرانية ضمن نطاق عملياتي أسرع، ويمنح القيادة الأميركية خيارات تنفيذ فوري إذا صدر القرار.
لكن السؤال الجوهري: هل نحن أمام استعراض قوة لتحسين شروط التفاوض، أم أمام تمهيد فعلي لضربة عسكرية؟
التاريخ القريب يُظهر أن الحشد العسكري غالبًا ما يسبق التفاوض النهائي، لا الحرب بالضرورة. غير أن الفارق هذه المرة يتمثل في عاملين: اقتراب البرنامج النووي الإيراني تقنيًا من مستوى متقدم، وبيئة إقليمية شديدة الهشاشة، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر.
أي خطأ في الحسابات قد يحوّل “الضغط الأقصى” إلى “اشتعال أقصى”.
الحسابات الإيرانية: الصبر أم المغامرة؟
إيران تدرك أن أي ضربة أميركية مباشرة قد لا تكون محدودة. صحيح أنها تمتلك أدوات ردّ غير تقليدية عبر حلفائها في المنطقة، لكن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة تحمل مخاطر استراتيجية، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية خانقة.
لذلك، قد تفضّل طهران كسب الوقت في جنيف، والمناورة التقنية دون تجاوز الخط الأحمر الذي يستدعي ضربة فورية. غير أن لغة ترامب الأخيرة توحي بأن هامش المناورة يضيق.
جنيف… الفرصة الأخيرة؟
الجولة غير المباشرة في جنيف تبدو كأنها “نافذة أخيرة” قبل انزلاق الأمور إلى مسار عسكري. عادةً، عندما تتقدم القطع البحرية إلى هذا الحد، تكون الرسالة واضحة: التفاوض يجري تحت ظل القوة.
إذا نجحت المحادثات، يمكن للحاملة أن تبقى ورقة ضغط عابرة. أما إذا فشلت، فإن المسافة بين كريت وشرق المتوسط لن تكون مجرد مسافة جغرافية، بل مسافة زمنية قصيرة جدًا تفصل بين التهديد والتنفيذ.
بين القرار والسيطرة على النار
في النهاية، القرار في واشنطن سياسي بامتياز. ترامب أكد أنه صاحب الكلمة الفصل. وهو يدرك أن أي ضربة ستفتح بابًا يصعب إغلاقه سريعًا: هل ستكون محدودة على منشآت نووية؟ أم ستتدحرج إلى مواجهة إقليمية أوسع؟
المنطقة كلها تقف اليوم على إيقاع حاملة طائرات. والبحر المتوسط، الذي كان تاريخيًا مسرح توازنات الإمبراطوريات، يعود ليكون ساحة اختبار لإرادة الردع الأميركي وصبر إيران.
قد تكون جنيف فرصة أخيرة للنجاة من “اليوم السيئ للغاية”.
وقد تكون مجرد محطة قصيرة قبل أن يتكلم البحر.

Leave a comment