هل أنهى دونالد ترامب الحروب… أم أعاد تعريفها؟

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بوصفه “رئيس السلام”، بل ويذهب أبعد من ذلك حين يقول إنه يستحق جائزة نوبل للسلام بعد تدخله في عدد من الصراعات الدولية.

غير أن التمعّن الهادئ في الوقائع الميدانية، بعيدًا عن الخطاب السياسي، يكشف فجوة واسعة بين إعلان “إنهاء الحروب” وبين حقيقة ما جرى على الأرض: نزاعات مجمّدة، هدَن هشة، واتفاقات لم تعالج جذور الصراع بقدر ما أعادت تدويره.

غزة وإيران: وقف نار بلا أفق سياسي

في الشرق الأوسط، تصدّر ملف غزة وإيران واجهة تحركات ترامب. فقد روّج البيت الأبيض لاتفاق هدنة بين إسرائيل وحركة حماس كخطوة مفصلية نحو إنهاء حرب دامية تجاوز عدد ضحاياها عشرات الآلاف. لكن الاتفاق، رغم أهميته الإنسانية، لم يكن سوى مرحلة أولى في مسار متعثر، سرعان ما اصطدم بأسئلة كبرى: نزع سلاح حماس، مستقبل الحكم في القطاع، وطبيعة القوة الأمنية التي ستتولى إدارة ما بعد الحرب.

أما على المسار الإيراني، فانتقل ترامب من لغة التفاوض إلى منطق القوة، بعد مشاركة الولايات المتحدة في قصف مواقع نووية إيرانية، ثم العودة إلى التهديد مجددًا بعمل عسكري أوسع. وبين إعلان “تدمير البرنامج النووي” والتحذير من استئنافه، بقي المشهد معلقًا على حافة حرب مؤجلة لا سلامًا منجزًا.

سد النهضة: وعد أميركي… وصمت عملي

في النزاع بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، أعلن ترامب أن الحل “قريب”، بل أدرجت إدارته الملف ضمن قائمة الصراعات التي قال إنه أنهاها. إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك: السد افتُتح، والمخاوف المصرية والسودانية باقية، فيما لم تُسجَّل مبادرة أميركية حاسمة تتجاوز التصريحات العلنية.

أرمينيا وأذربيجان: سلام اقتصادي لا سياسي

في جنوب القوقاز، رعت واشنطن إعلانًا مشتركًا بين أرمينيا وأذربيجان تعهّد فيه الطرفان بالسعي إلى السلام. لكن الإعلان لم يرقَ إلى مستوى معاهدة ملزمة، وبقيت قضايا جوهرية، مثل تعديل الدستور الأرميني وترسيم الحدود، من دون حل. اللافت أن الاتفاقات الأوضح كانت اقتصادية، منحت الولايات المتحدة دورًا في ممرات استراتيجية، ما يطرح سؤالًا عن أولوية السلام السياسي مقابل المصالح التجارية.

جنوب شرق آسيا وأفريقيا: هدَن قابلة للانهيار

في النزاع بين كمبوديا وتايلاند، نجح ترامب في فرض وقف لإطلاق النار، لكنه كان هشًا، انهار ثم أُعيد ترميمه. السيناريو ذاته تكرر في أفريقيا، حيث وُقّعت اتفاقات سلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فيما استمر القتال على الأرض، وبقيت حركة “23 مارس” لاعبًا عسكريًا فاعلًا، وسط تنافس دولي محموم على المعادن الحيوية.

الهند وباكستان: احتواء التصعيد لا حل الصراع

عندما اقتربت المواجهة بين الهند وباكستان من حافة الانفجار النووي، لعبت واشنطن دورًا في احتواء التصعيد. لكن وقف إطلاق النار لم يقترب من معالجة جذور النزاع التاريخي بين البلدين، ولا سيما ملف كشمير، ما يجعل “الإنجاز” أقرب إلى إدارة أزمة لا إنهائها.

البلقان وأوكرانيا: ادعاءات بلا نتائج

في البلقان، لا تزال العلاقات بين صربيا وكوسوفو متوترة، رغم تأكيد ترامب أنه “أوقف الحرب” سابقًا. وفي أوكرانيا، اعترف الرئيس الأميركي نفسه بأن الحرب كانت “أصعب مما توقع”، بعد أن وعد بإنهائها في يوم واحد. العقوبات والتصريحات لم تفضِ إلى اختراق حقيقي، فيما بقي القلق الأوروبي من أي تسوية على حساب استقرار القارة حاضرًا بقوة.

الكوريتان: حنين إلى دبلوماسية شخصية

أما في شبه الجزيرة الكورية، فيستعيد ترامب لغة اللقاءات الشخصية مع الزعيم الكوري الشمالي، معترفًا ضمنيًا بكوريا الشمالية كقوة نووية. لكن هذا الاعتراف، بقدر ما يفتح باب الحوار، يكرّس واقعًا استراتيجيًا جديدًا لم يكن هدف الدبلوماسية الأميركية التقليدية.

بين وقف النار وصناعة السلام

في ضمير المتكلم، لا يمكن للكاتب إلا أن يتساءل: هل يكفي أن تتوقف المدافع مؤقتًا كي نقول إن الحرب انتهت؟ أم أن السلام الحقيقي يبدأ حين تُعالَج الجذور، لا الأعراض؟

ما فعله دونالد ترامب، في أحسن الأحوال، هو إدارة النزاعات لا تفكيكها، وشراء الوقت لا بناء المستقبل. وبين هدنة هنا وتهديد هناك، يبقى العالم معلّقًا بين نارٍ خافتة وسلامٍ مؤجّل.

وربما، في زمنٍ صار فيه الإعلان أعلى صوتًا من الفعل، بات علينا أن نميّز جيدًا بين من يُطفئ الحريق… ومن يكتفي بإبعاد الدخان عن عدسات الكاميرا.

Leave a comment