بقلم: سوزان وايتمان
سلامُنا بوست
ليس كل ما يحدث في السياسة يُقاس بميزان القرارات والبيانات الختامية. أحيانًا، يكون للمشهد ذاته — لمن يجلس وأين ولماذا — دلالة تتجاوز الكلمات. يوم الاثنين المقبل، سترأس السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترامب اجتماعًا رسميًا لـ مجلس الأمن الدولي، في سابقة لم تعرفها المؤسسة الأممية من قبل: سيدة أولى، وزوجها في سدة الرئاسة، تتولى إدارة جلسة من أكثر المنابر الدولية حساسية وتأثيرًا.
قد يبدو الحدث، للوهلة الأولى، بروتوكوليًا أو رمزيًا. لكنه، عند التمعّن، يفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى الحضور الأميركي داخل منظومة طالما تعامل معها الرئيس دونالد ترامب بكثير من الريبة والانتقاد، وشيء غير قليل من الجفاء.
التعليم بوصفه لغة سلام
اختارت ميلانيا ترامب أن يكون التعليم محور الجلسة، باعتباره مدخلًا لترسيخ التسامح وتعزيز السلام العالمي. اختيارٌ ذكي، وربما مقصود في توقيته ودلالته: فالتعليم هو اللغة الوحيدة التي لا تُستفز بها القوى الكبرى، ولا تُحرَج أمامها الحسابات الجيوسياسية. إنه ملف إنساني ناعم، لكنه شديد العمق، يُخاطب المستقبل بدل أن يغرق في نزاعات الحاضر.
وحين يرحّب المتحدث باسم الأمم المتحدة بالخطوة، معتبرًا أنها تعكس أهمية مجلس الأمن بالنسبة لواشنطن، فإن الرسالة لا تُقرأ فقط في إطار الدبلوماسية، بل في سياق محاولة إعادة ترميم صورة علاقة متصدّعة، لطالما وُصفت في عهد ترامب بأنها علاقة مشروطة ومتوترة.
امرأة من الأطراف إلى قلب العالم
وراء هذا المشهد السياسي، تقف سيرة شخصية لا تخلو من الرمزية. وُلدت ميلانيا ترامب في سلوفينيا، في أوروبا الشرقية التي عاشت طويلًا على هامش القرار العالمي. نشأت في فضاء ثقافي مختلف، ثم حملتها الصدفة والطموح والعمل إلى ما يُسمّى بـ”أرض الأحلام” الأميركية. هناك، شقّت طريقها في عالم الموضة، قبل أن تجد نفسها — دون تخطيط مسبق — في قلب أعقد مؤسسة سياسية في العالم.
ربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو ميلانيا أقل صخبًا من زوجها، وأكثر ميلًا إلى القضايا الإنسانية الهادئة: الأطفال، التعليم، الكرامة الفردية. وهي ذاتها التي خاطبت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2025 مطالبة بإعادة الأطفال الأوكرانيين الذين اقتُلِعوا من جغرافيتهم خلال الحرب — خطوة إنسانية نادرة في زمن الاصطفافات الحادة.
ما بين الغياب والعودة
عرفت فترتا ترامب الرئاسيتان ابتعاد ميلانيا النسبي عن الأضواء، لكنها لم تكن غائبة تمامًا. كانت حاضرة حيث لا تلتقط الكاميرات بسهولة: في الرسائل، في المبادرات الصامتة، وفي فيلم وثائقي ضخم صدر مطلع هذا العام، شاركت في إنتاجه بنفسها، كأنها تحاول أن تروي قصتها بصوتها، لا عبر عدسات الآخرين.
واليوم، وهي تجلس على مقعد رئاسة مجلس الأمن، لا تمثّل نفسها فقط، ولا حتى زوجها، بل تمثّل فكرة مختلفة عن القوة الأميركية: قوة ناعمة، غير صدامية، تحاول أن تقول إن واشنطن، رغم كل شيء، لم تُدر ظهرها نهائيًا للعالم.
ما الذي تغيّر؟
يأتي هذا الحدث في لحظة يلوّح فيها ترامب بخطاب أكثر تصالحية تجاه الأمم المتحدة، متحدثًا عن دعمها وإصلاحها، بعد سنوات من الامتناع عن تسديد مستحقات مالية بمليارات الدولارات. صحيح أن الشكوك ما زالت قائمة، وأن العالم يتعامل بحذر مع أي مبادرة أميركية جديدة، لكن السياسة — كما الحياة — لا تُبنى على النوايا وحدها، بل على الإشارات.
وترؤس ميلانيا ترامب جلسة لمجلس الأمن هو إشارة. ليست انقلابًا في السياسات، ولا إعلان مصالحة كبرى، لكنها تقول شيئًا بسيطًا وعميقًا في آن: إن السياسة، مهما قست، تحتاج أحيانًا إلى وجه إنساني ليُذكّرها بسبب وجودها أصلًا.
سوزان وايتمان – صحافية أميركية مقيمة في واشنطن، عملت سابقًا في بيروت والقدس، وتكتب في السياسة الخارجية الأميركية وقضايا الشرق الأوسط بنبرة تحليلية ذات بعد إنساني

Leave a comment