ملحمة الغضب في إيران… حين تُقصف الفكرة لا الرجل

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

لم يكن فجر السبت مجرّد ساعة إضافية في رزنامة الصراع الأميركي – الإيراني، بل لحظة فاصلة دشّنت ما يمكن تسميته، بلا مبالغة، نهاية مرحلة كاملة من تاريخ “الجمهورية الإسلامية”.

فالعملية العسكرية الأميركية – الإسرائيلية التي أُطلق عليها اسم “ملحمة الغضب” لم تستهدف منشآت أو مواقع عسكرية فحسب، بل أصابت قلب النظام، رمزيًا وفعليًا، مع الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، الرجل الذي شكّل، منذ عام 1989، العمود الفقري لتوازنات السلطة في طهران.

وبين بيان نعي بثّه التلفزيون الرسمي الإيراني بعد نحو عشرين ساعة، ونفي متأخر من وكالات مقرّبة من الحرس الثوري، بدا واضحًا أن الصدمة كانت أكبر من القدرة على إدارتها إعلاميًا. فحين يتأخر النفي، ويضطرب الخطاب، تكون الحقيقة – أو الخوف منها – قد تسللت إلى الداخل قبل الخارج.

ترامب: من “رئيس السلام” إلى مقامر التاريخ

بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، شكّلت العملية أجرأ مقامرة في ولايته الجديدة. الرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض رافعًا شعار “إنهاء الحروب”، وجد نفسه يقود أوسع ضربة عسكرية ضد إيران منذ قيام الثورة الإسلامية.

وفي خطابه، لم يُخفِ ترامب أن الهدف يتجاوز البرنامج النووي إلى إعادة تشكيل السلوك الإيراني بالقوة، بل دعا الإيرانيين صراحة إلى “تولّي زمام أمورهم”، في استعارة فجة لمفردات تغيير الأنظمة.

لكن السؤال الجوهري هنا: هل يمكن قصف نظام عقائدي متجذّر من الجو؟ أم أن ما جرى سيطلق سلسلة تفاعلات لا يمكن ضبطها، داخل إيران وحولها؟

إسرائيل: كسر السقف… وكشف المستور

من جهته، تعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع العملية باعتبارها تتويجًا لسنوات من العمل الاستخباري والعسكري. فالحديث عن تدمير مجمع المرشد، ومقتل شخصيات من وزن وزير الدفاع وقادة بارزين في الحرس الثوري، يؤشر إلى اختراق غير مسبوق لبنية النظام.

غير أن هذا “الإنجاز”، مهما بدا حاسمًا، يفتح الباب أمام معضلة استراتيجية: إيران التي تُجرَح في رأسها، قد تتحوّل إلى جسم فوضوي، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلًا إلى الانتقام غير المحسوب.

إيران بعد خامنئي: ثلاثة سيناريوهات مفتوحة

مع مقتل المرشد الأعلى، فإن إيران تقف أمام مفترق طرق تاريخي:

سيناريو التشدد والانغلاق: حيث يتولى الحرس الثوري إدارة المرحلة، مع تصعيد عسكري خارجي وقمع داخلي أشدّ، في محاولة لإثبات أن “النظام باقٍ”.

سيناريو التفكك البطيء: صراع أجنحة داخل السلطة، فراغ دستوري، وتآكل مركز القرار، ما يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية أوسع.

سيناريو التحوّل القسري: وهو الأضعف احتمالًا، لكنه الأكثر زلزلة، حيث تتلاقى ضغوط الشارع مع انقسام النخبة، فتُفرض معادلة سياسية جديدة، لا تشبه “الجمهورية الإسلامية” التي عرفناها.

في كل الأحوال، إيران ما بعد السبت لن تكون كما قبله.

الخليج والأردن: حين يُكافأ الوسيط بالنار

اللافت، والمؤسف في آن، أن الردّ الإيراني لم يقتصر على إسرائيل، بل طال دولًا خليجية والأردن، وهي دول لعبت خلال الأسابيع الماضية دور الوسيط النزيه، واحتضنت – بوساطة عُمانية – محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في مسقط وجنيف.

استهداف هذه الدول يطرح علامة استفهام أخلاقية وسياسية: كيف يمكن لطهران أن تطلب تفهّم العالم، وهي توسّع دائرة النار لتشمل من حاولوا إطفاءها؟ وهل تدرك القيادة الإيرانية أن خسارة العمق الدبلوماسي الخليجي قد تكون أخطر عليها من أي غارة جوية؟

مضيق هرمز: السلاح الأخير

التهديد بإغلاق مضيق هرمز أعاد إلى الواجهة سلاح إيران الأشدّ حساسية. فالممر الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، ليس ورقة ضغط على واشنطن وحدها، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك الصين والهند وأوروبا.

لكن استخدام هذا السلاح يعني عمليًا تدويل الصراع، ونقل المواجهة من مستوى إقليمي إلى صدام دولي مفتوح، وهو خيار قد لا تملك طهران ترف الذهاب إليه.

سقوط الرمز… وبقاء السؤال

قد يكون مقتل خامنئي – مع تأكّده نهائيًا – أكبر ضربة يتلقاها النظام الإيراني منذ 1979. لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا أخطر من مصير شخص: هل كانت “ملحمة الغضب” بداية نهاية نظام، أم بداية فوضى لا أحد يعرف مداها؟

في الشرق الأوسط، التاريخ يعلّمنا أن الفراغ أخطر من الاستبداد، وأن هدم السقوف لا يعني بالضرورة بناء بيوت أكثر عدلًا.

وإيران، اليوم، تقف عارية أمام هذا الامتحان القاسي، بينما العالم يراقب… وأسواق النفط تحبس أنفاسها.

Leave a comment