بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
ليس أصعب على الأوطان من أن تُختطف في لحظة، ولا أقسى على الشعوب من أن تُدفع إلى الهاوية باسمها. فجر الاثنين، بدا كأنّ حزب الله قد اتخذ قراره النهائي: المضيّ قُدمًا في مقامرة لا تشبه سوى الانتحار السياسي، حين تبنّى إطلاق ستة مقذوفات من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، متحدّيًا ليس فقط توازنات الإقليم، بل الدولة اللبنانية نفسها.
قبل ساعات فقط، كان مجلس الدفاع اللبناني الأعلى قد أعلن بوضوح أنّ قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة وحدها. لكنّ هذا الإعلان سقط سريعًا أمام واقع السلاح المنفلت، وكأنّ السيادة باتت بيانًا بلا مخالب.
ساعة واحدة كانت كافية
لم تنتظر إسرائيل طويلًا. خلال أقل من ساعة، جاء الردّ قاسيًا ومفتوحًا على الزمن: غارات جوية طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب، في عملية قالت مصادر إسرائيلية إنها قد تمتد أيامًا، وأسفرت في ساعاتها الأولى عن استهداف قادة بارزين في الحزب.
في تلك الساعة تحديدًا، خسر اللبنانيون ما تبقّى من وهم السيطرة على مصيرهم. لم يكن السؤال: لماذا قصفت إسرائيل؟ بل: لماذا فُتح لها الباب؟
حكومة تُلاحق الحدث… لا تصنعه
دعا مجلس الوزراء اللبناني إلى جلسة طارئة في القصر الجمهوري في بعبدا. اجتماعٌ عاجل، نعم، لكنه جاء بعد أن دوّى الانفجار السياسي والعسكري.
ماذا تستطيع حكومة أن تفعل حين يُسحب منها القرار؟ وماذا يعني أن تُناقَش الحرب بعد اندلاعها؟
لبنان… صندوق بريد للثأر الإقليمي
الذريعة هذه المرّة كانت أثقل من أن تُحتمل. قال الحزب إنّ هجومه جاء ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. فجأة، وُضع لبنان في موقع المنتقم بالنيابة، وكأنّ دماء أبنائه مجرّد تفصيل في معادلة أكبر منهم.
هكذا، لم يعد لبنان وطنًا بحدوده وأوجاعه، بل وظيفة مؤقتة في صراع لا يملك قراره ولا نهايته.
بين البيانات… كان المدنيون يفرّون
أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف مسؤولين كبارًا من الحزب في بيروت والجنوب، فيما قال الحزب إنّه أطلق صواريخ “نوعية” ومسيّرات باتجاه موقع مشمار الكرمل جنوب حيفا.
لكن بين البيان والبيان، كان المشهد الحقيقي يُكتب على الطرقات: نزوح واسع من الضاحية الجنوبية والجنوب، أطفال يُسحبون من نومهم، وذاكرة حربٍ قديمة تعود لتقرع الأبواب بعنف.
كلمة الدولة… حين لا تكفي
في موقفٍ نادر الوضوح، وصف رئيس الحكومة نواف سلام إطلاق الصواريخ بأنه “عمل غير مسؤول ومشبوه”، محذّرًا من جرّ البلاد إلى مغامرات جديدة، ومؤكدًا أنّ الحكومة ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية اللبنانيين.
لكن الكلمات، مهما بلغت صراحتها، تبقى أضعف من صاروخ، وأقصر عمرًا من طائرة حربية.
هدنة كُسرت… وبلد يُكسر
هذا التصعيد هو الأول منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. أي أنّه كسرٌ متعمّد لهدنة هشّة، ورسالة واضحة بأنّ لبنان لا يُسمح له بالراحة، ولا يُمنح ترف الحياد، حتى وهو ينهار اقتصاديًا واجتماعيًا.
في المقابل، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية تفعيل الإنذارات في شمال إسرائيل، وصدرت أوامر إخلاء طالت عشرات البلدات اللبنانية. الخريطة تضيق، والناس تتراجع، والحرب تتقدّم.
صرخة “ضمير المتكلّم”
لبنان اليوم ليس ساحةً فارغة، ولا ورقةً سائبة على طاولة الكبار. هو وطنٌ يتآكل، وشعبٌ يُستنزف، ودولةٌ تُقضم سيادتها على دفعات.
وحين يُتخذ قرار الحرب خارجها، لا يبقى من الوطن سوى اسمه، ولا من السيادة سوى حنينٍ إلى معنى لم يُعش بعد.
في لحظة كهذه، لا يسع “ضمير المتكلّم” إلا أن يصرخ: كفى… كفى تحويل لبنان إلى وقود، وكفى الادّعاء بأنّ أحدًا يملك حق الموت باسم شعبٍ لم يُستفتَ، ولم يُخَيَّر، ولم يعد يحتمل.

Leave a comment