لبنان… سلامٌ يُولد من بين الركام

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

في أزمنة الحروب، يصبح الكلام عن السلام أشبه باعترافٍ غير مرغوب فيه. كأنّ العالم، حين يشتعل، لا يريد أن يسمع صوت العقل، بل صرير السلاح فقط. ومع ذلك، يبقى السلام هو الحقيقة الوحيدة التي تكتشفها الشعوب دائمًا… بعد أن يكون الخراب قد وقع.

لبنان يعرف هذه الحقيقة جيدًا. بل ربما يعرفها أكثر من غيره.

فهذا البلد الصغير الذي كُتب له أن يعيش على خطوط التماس بين الشرق والغرب، وبين المشاريع الإقليمية المتصارعة، يجد نفسه مرة أخرى في قلب معركة أكبر من جغرافيته، وأثقل من اقتصاده، وأقسى بكثير من قدرة شعبه على الاحتمال.

في هذه اللحظة القلقة، بدا صوت رئيس الحكومة نواف سلام أشبه بمحاولة لإعادة التذكير بما يفترض أن يكون بديهيًا: إن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة.

قد تبدو هذه الجملة عادية في أي بلد آخر، لكنها في لبنان تشبه محاولة إعادة تعريف الدولة نفسها. فحين يصبح قرار الحرب خارج مؤسساتها، لا تعود السيادة مفهومًا سياسيًا، بل ذكرى بعيدة.

قال سلام إن جزءًا من اللبنانيين يدفع ثمن هذه الحرب، لكنه أضاف عبارة موجعة في بساطتها: كل لبنان هو الضحية. وهي عبارة تختصر كل شيء.

فالمدن التي تُقصف ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة. والبيوت التي تُهجر ليست حجارة، بل أعمار بشرية تُقتلع فجأة من سياقها الطبيعي.

الخطأ الذي فتح أبواب العاصفة

حين ننظر إلى ما يحدث اليوم، لا يمكن تجاهل السؤال الذي يتردد في صمت داخل كل بيت لبناني: كيف وصلنا إلى هنا مرة أخرى؟

الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من تلك اللحظة التي قرر فيها حزب الله إدخال لبنان في معادلة الصراع الإقليمي المفتوح بين إيران وإسرائيل.

هناك أخطاء سياسية يمكن تصحيحها. وهناك أخطاء تكتيكية يمكن احتواؤها. لكن تحويل بلد كامل إلى جبهة في حرب الآخرين يبقى خطأ استراتيجيًا فادحًا، لأن نتائجه لا تتوقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى حياة الناس نفسها.

من هنا اكتسب كلام المبعوث الرئاسي الفرنسي جان-إيف لودريان أهميته عندما قال إن تفكيك حزب الله لن يكون ممكنًا إلا حين تقتنع الطائفة الشيعية بأن مصلحة لبنان يجب أن تتقدم على مصالح الفصائل.

ليس في هذا الكلام إدانة لطائفة، بل دعوة إلى لحظة وعي وطنية يحتاجها لبنان بأكمله.

حين يهرب الناس من الحرب

لكن السياسة ليست وحدها التي تتحدث الآن. الأرقام أيضًا تتكلم… بلغة أكثر قسوة. فوفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نزح نحو مئة ألف شخص داخل لبنان خلال أيام قليلة، فيما عاد عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى سوريا عبر الحدود هربًا من القتال.

وصفت المفوضية المشهد بأنه حالة طوارئ إنسانية كبرى.

وربما لا تحتاج هذه العبارة إلى شرح كبير. يكفي أن تنظر إلى الطرقات المزدحمة بسيارات محمّلة بذكريات العائلات، أو إلى وجوه الأطفال الذين يستيقظون فجأة على صوت الانفجارات، كي تفهم أن الحروب لا تُكتب في البيانات العسكرية، بل في عيون البشر.

في الوقت نفسه، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء واسعة لسكان مناطق في جنوب لبنان وأجزاء من بيروت والبقاع، فيما تواصل القصف الجوي على مواقع تقول إنها تابعة لحزب الله. وهكذا يتحول الخوف إلى لغة يومية.

القانون الدولي… وصوت القلق

من جهته، حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن أوامر الإخلاء الواسعة التي أصدرها الجيش الإسرائيلي تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني، خصوصًا في ما يتعلق بإمكانية النقل القسري لمئات الآلاف من المدنيين.

لكن اللبنانيين يعرفون جيدًا أن القلق الدولي، مهما كان صادقًا، لا يوقف الطائرات. فخلال الليل، عادت الضاحية الجنوبية لبيروت لتكون مسرحًا لغارات جوية مكثفة ومتواصلة، فيما تبادل الطرفان التحذيرات والإخلاءات على جانبي الحدود.

وهكذا تتحول المنطقة مرة أخرى إلى مسرح مفتوح لرسائل النار.

حين يصبح السلام ضرورة

لبنان بلد صغير، لكنه يحمل تاريخًا طويلًا من الحروب التي لم يختر معظمها.

منذ تأسيس الحرس الثوري الإيراني لحزب الله عام 1982، ظل البلد يعيش في منطقة رمادية بين الدولة والسلاح، وبين السيادة والوصاية، وبين القرار الوطني والقرار الإقليمي.

واليوم، يعود السؤال القديم نفسه: هل يمكن للبنان أن ينجو إذا بقي ساحةً لصراعات الآخرين؟

ربما حان الوقت ليُقال ما يبدو غير مألوف في زمن الحروب: السلام ليس ضعفًا. بل هو، أحيانًا، أعلى درجات الشجاعة السياسية.

أن تعترف الشعوب بحدود قدرتها. أن ترفض أن تكون وقودًا لمعارك لا تخصها. أن تضع حياة الناس قبل شعارات الانتصار.

فالحروب قد تمنح لحظات صاخبة من الحماسة، لكنها تترك في النهاية مدنًا مدمرة وذاكرة مثقلة بالفقد.

أما السلام، حتى حين يبدو بعيدًا، فهو الأمل الوحيد الذي يسمح للبنان بأن يبقى وطنًا… لا مجرد جبهة على خريطة الشرق الأوسط.

Leave a comment