بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
مع دخول الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، يبدو أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام لحظة تاريخية نادرة، لحظة تختلط فيها نهاية مرحلة ببداية أخرى لم تتضح ملامحها بعد. فالغارة التي أودت بحياة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي لم تكن مجرد حدث عسكري عابر في سياق حرب متصاعدة، بل شكّلت صدمة سياسية داخل النظام الإيراني نفسه، وفتحت بابًا واسعًا أمام أسئلة تتعلق بمستقبل الجمهورية الإسلامية وبطبيعة السلطة التي ستقودها في السنوات المقبلة.
وفي خطوة بدت سريعة ومثقلة بالرسائل السياسية، أعلن مجلس خبراء القيادة اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، زعيمًا أعلى جديدًا لإيران. هذا القرار لم يكن مجرد انتقال في القيادة، بل مثّل أيضًا محاولة واضحة للحفاظ على استمرارية النظام في لحظة اضطراب وجودي.
توريث الثورة؟
منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979 على يد آية الله روح الله الخميني، حرص النظام الإيراني على تقديم نفسه بوصفه نقيضًا جذريًا للنظام الملكي الذي أطاحت به الثورة. غير أن اختيار مجتبى خامنئي، وهو نجل المرشد السابق، يفتح الباب أمام مفارقة سياسية واضحة: هل تتحول الجمهورية التي قامت على رفض التوريث السياسي إلى نظام يقترب تدريجيًا من نموذج الوراثة السياسية؟
لم يشغل مجتبى خامنئي أي منصب رسمي في الدولة، لكنه كان طوال سنوات حكم والده شخصية نافذة في قلب النظام. فقد عمل خلف الكواليس بوصفه ما يشبه “حارس البوابة” للمرشد الأعلى، حيث تمر عبره الملفات الحساسة والقرارات الكبرى. كما نسج علاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، المؤسسة العسكرية – السياسية الأكثر نفوذًا في البلاد.
هذه العلاقة تحديدًا هي التي تفسّر، إلى حد بعيد، سرعة تثبيته في منصب المرشد الجديد، إذ يبدو أن الحرس الثوري فضّل خيار الاستمرارية على الدخول في صراعات داخلية حول هوية القيادة في لحظة حرب مفتوحة.
المرشد الجديد في عين واشنطن
في واشنطن، لم يخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفه السلبي من الزعيم الإيراني الجديد. فقد وصف مجتبى خامنئي بأنه “شخصية ضعيفة”، بل وذهب أبعد من ذلك عندما لمح إلى أن بقاءه في السلطة قد لا يكون طويلًا إذا لم يسهم في تهدئة الصراع.
هذا الخطاب لا يعكس فقط موقفًا سياسيًا من شخصية المرشد الجديد، بل يشير أيضًا إلى أن واشنطن تنظر إلى الحرب الجارية بوصفها فرصة لإعادة تشكيل التوازنات داخل إيران نفسها.
فمن وجهة نظر بعض صناع القرار في الولايات المتحدة، قد يؤدي الضغط العسكري والسياسي المتواصل إلى إضعاف النخبة الحاكمة في طهران، وربما فتح الباب أمام تحولات داخلية لم يكن من الممكن تصورها قبل أشهر قليلة فقط.
الحرب كأداة لإعادة رسم المنطقة
في المقابل، يواصل ترامب التأكيد على أن قرار إنهاء الحرب لن يكون أميركيًا صرفًا، بل سيتم بالتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. غير أن تصريحاته الأخيرة أوضحت أيضًا أن الكلمة الأخيرة ستبقى في واشنطن.
هذا التوازن في الخطاب يعكس طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة الحرب. فبينما تمثل إسرائيل رأس الحربة العسكرية في المواجهة مع إيران، تبقى الولايات المتحدة القوة التي تملك القدرة على تحديد سقف الحرب وحدودها الزمنية والسياسية.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الصراع الحالي بوصفه عملية عسكرية ذات أهداف محددة، لا حربًا مفتوحة بلا نهاية. فالتقديرات الصادرة عن البيت الأبيض تشير إلى أن العمليات قد تستمر ما بين أربعة وستة أسابيع، وهي مدة كافية – في نظر المخططين العسكريين – لإلحاق ضرر كبير بالبنية الاستراتيجية للنظام الإيراني.
طهران بين الصمود والارتباك
على الجانب الإيراني، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالنظام الذي اعتاد إدارة الأزمات الخارجية عبر خطاب “المقاومة” يجد نفسه اليوم في مواجهة ضربة غير مسبوقة طالت رأس الهرم السياسي نفسه.
ومع ذلك، فإن سرعة تعيين المرشد الجديد تشير إلى أن المؤسسة الحاكمة تحاول إظهار قدر من التماسك الداخلي، حتى في لحظة صدمة عميقة.
لكن التحدي الحقيقي قد لا يكون عسكريًا بقدر ما هو سياسي واجتماعي. فداخل إيران، لا تزال قطاعات واسعة من المجتمع تنظر بعين الريبة إلى فكرة انتقال السلطة داخل عائلة واحدة، خصوصًا في بلد قامت ثورته على رفض الحكم الوراثي.
إلى أين تتجه الحرب؟
ما يمكن قوله الآن هو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين. فإيران التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية قد لا تكون هي نفسها إيران التي ستخرج من هذه الحرب، سواء بقي النظام على حاله أو اضطر إلى إعادة تشكيل نفسه تحت ضغط الأحداث.
لكن الحروب، في النهاية، لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد القادة الذين سقطوا في لحظاتها الأولى. الحروب تُقاس بما تتركه خلفها من أسئلة معلّقة في الهواء.
في طهران اليوم، يجلس مرشد جديد على كرسيٍ لم يبرد بعد. وفي واشنطن وتل أبيب، يجلس قادة يعتقدون أنهم يمسكون بخيوط النهاية. غير أن الشرق الأوسط علّمنا، مرة بعد مرة، أن التاريخ هنا لا يسير وفق الخطط المرسومة في غرف العمليات.
ففي هذه المنطقة التي تشبه كتابًا قديمًا كُتبت صفحاته بالحبر والدم معًا، قد يتغيّر اسم المرشد، وقد تتبدّل موازين الحرب، لكن السؤال الأعمق يبقى دائمًا هو نفسه: هل تستطيع القوة أن تصنع سلامًا، أم أنها لا تفعل سوى تأجيل الحروب القادمة؟
ربما سيجيب المستقبل عن ذلك. أما نحن، الذين نعيش هذه اللحظة بكل ما فيها من قلق وغموض، فلا نملك سوى أن نراقب المشهد وهو يتشكل أمام أعيننا… كأن التاريخ يكتب فصلًا جديدًا، ولا يسمح لأحد بقراءة نهايته بعد.

Leave a comment