بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما تحوّل لبنان إلى حقل موت مفتوح، لم يكن الهروب من الحرب خيارًا بطوليًا ولا خيانةً للوطن. كان ببساطة غريزة بقاء.
كنتُ يومها مثل آلاف اللبنانيين الذين حملتهم رائحة الدم بعيدًا عن بيوتهم، فطرتُ إلى جزيرة صغيرة في شرق المتوسط اسمها قبرص، لأكتشف هناك أن الحياة يمكن أن تستمرّ، حتى عندما ينهار الوطن.
لم أكن أعرف الجزيرة قبل ذلك. لكنّ نظرة واحدة من نافذة الطائرة كانت كافية لأفهم موقعها في الجغرافيا والتاريخ. بدت لي كأنها بارجة هادئة راسية في بحر مضطرب، وسط منطقة تعيش على إيقاع الحروب والصراعات. أما ما يظهر منها للزائر، فهو الهدوء والنظام والنظافة والشوارع المصقولة، فيما تخبّئ الأعماق تاريخًا من الجراح.
ففي العام 1974، اجتاح الجيش التركي شمال الجزيرة واحتل نحو 38 في المئة من أراضيها، تاركًا وراءه آلاف الضحايا والمفقودين. ومع ذلك، استطاع القبارصة أن يفعلوا ما عجزنا نحن عنه في لبنان: إدارة جرحهم دون تحويله إلى حرب أبدية.
منذ وقف إطلاق النار في ذلك العام، بقيت الجزيرة مقسومة بين شطرين، لكن الهدنة صمدت لعقود طويلة، ولم يُخرق هذا الاستقرار إلا نادرًا.
وهنا تحديدًا بدأتُ أتساءل، وأنا القادم من بلد تتكاثر فيه الحروب: كيف استطاع شعب صغير أن يضع حدًا لدورة الدم، بينما عجزت شعوب أكبر عن ذلك؟
عندما أصبحت نيقوسيا عاصمة الصحافة العربية
مع بداية الثمانينيات، لم تكن قبرص مجرّد ملاذ سياحي. فقد تحوّلت العاصمة نيقوسيا إلى مركز إعلامي عربي نابض بالحياة، بعدما اكتشفها الصحافي اللبناني سمير غريافي وأطلق فيها صحيفة “العصر”. وسرعان ما لحقت بها مجلات وصحف عربية عديدة، ثم جاءت المؤسسات الإعلامية الفلسطينية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
في تلك السنوات، بدت الجزيرة وكأنها منفى عربي واسع، لكنه منفى كريم، يستقبل الهاربين من الحروب دون أن يطالبهم بشيء سوى احترام هدوئه.
غير أن هذا الهدوء لم يسلم بدوره من أمراض الشرق الأوسط. فشيئًا فشيئًا، بدأت الاغتيالات والتفجيرات تتسلل إلى الجزيرة: اغتيال صحافيين فلسطينيين، تفجيرات لمكاتب خطوط جوية عربية، وعمليات تصفية مرتبطة بصراعات المنطقة.
وكان الرئيس القبرصي آنذاك سبيروس كيبريانو قد وجّه نداءً صريحًا إلى العرب يناشدهم فيه عدم تحويل بلاده إلى ساحة لتصفية حساباتهم.
ذاكرة شخصية لا تشيخ
بالنسبة لي، لم تكن قبرص مجرد محطة عابرة. وصلت إليها في عام 1981 هاربًا من السيارات المفخخة والحواجز المسلحة في لبنان، وبقيت فيها أحد عشر عامًا كاملة.
هناك تعلّمت أن استقالة الإنسان من وطنه لا تعني استقالة الوطن من قلبه. وتعلّمت أيضًا أن الشعوب التي تعرف قيمة الحياة تستطيع أن تنهض من تحت الركام، كما فعل القبارصة بعد مأساة 1974.
اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، لا تزال علاقتي بتلك الجزيرة علاقة حياة كاملة. فأبنائي الأربعة يعيشون هناك، وحفيداتي الثلاث وُلدن وترعرعن على أرضها، في بلد منحهم ما كان ينقصنا في لبنان: الأمان.
حين تتحول الضيافة إلى هدف
لذلك كان خبر إطلاق طائرة مسيّرة مفخخة باتجاه القاعدة البريطانية في قاعدة أكروتيري صادمًا بالنسبة لي. ليس لأن قبرص دولة بعيدة عن الصراعات فحسب، بل لأن هذه الجزيرة تحديدًا فتحت أبوابها للبنانيين عندما كانت أبواب العالم موصدة أمامهم.
ولعل استهدافها اليوم – أيا تكن الذريعة – يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل يجوز أن تتحول أرض استقبلت الهاربين من الموت إلى ساحة جديدة لصراعاتهم؟
إنّ نقل الحروب إلى دول صديقة لا يعبّر عن قوة، بل عن فقدان البوصلة الأخلاقية.
درس قبرصي للبنانيين
لقد علّمتني قبرص درسًا بسيطًا خلال سنوات إقامتي فيها: الشعوب التي تحترم الحياة تعرف متى تتوقف عن القتال. والقبارصة فعلوا ذلك بعد ستة أيام من الحرب عام 1974.
أما نحن في لبنان، فما زلنا بعد نصف قرن نتجادل حول أسباب الحرب التي دمّرت بلادنا، فيما تتكاثر القوى التي تحاول تصدير صراعاتها إلى الخارج.
لهذا السبب، كلما فكرتُ في قبرص، تمنّيتُ لو أننا “تقبرصنا” يومًا ما، بمعنى أن نتعلم كيف نحمي ما تبقى من وطننا بدل تحويله إلى منصة لحروب الآخرين.
قبرص أنقذتني يومًا من رائحة الموت. وأرجو أن تبقى دائمًا جزيرة للحياة… لا هدفًا لصواريخ الامتنان المعكوس.

Leave a comment