جمال دملج
سلامُنا بوست
عندما قرأت مذيعة التلفزيون الرسمي في طهران الرسالة الخطّية الأولى للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، لم يكن المشهد عاديًا في تقاليد السلطة الإيرانية. فالجمهورية الإسلامية التي اعتادت أن يظهر مرشدها مخاطبًا الأمة مباشرة، وجدت نفسها هذه المرة أمام رسالة تُتلى نيابة عن صاحبها. وفي لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الدول، لا تكشف الخطب السياسية عن القوة بقدر ما تكشف عن حجم القلق الكامن خلفها.
فالرسالة التي جاءت بعد أيام قليلة من الضربات الأميركية – الإسرائيلية الواسعة التي حملت اسم “ملحمة الغضب” بدت أقرب إلى محاولة لإعادة تثبيت التوازن في نظام يعيش واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود.
سلطة جديدة… وشرعية مرتبكة
ورث مجتبى خامنئي موقع والده، المرشد الراحل علي خامنئي، في لحظة تبدو فيها الدولة الإيرانية محاطة بسلسلة من التحديات المتزامنة: ضغوط عسكرية خارجية، أزمة اقتصادية خانقة، واحتقان داخلي يتغذّى من سنوات طويلة من العقوبات والتوترات السياسية.
لكن اللافت في المشهد أن المرشد الجديد لم يظهر شخصيًا لإلقاء خطابه الأول، وهو أمر غير مألوف في تقاليد القيادة الإيرانية التي اعتادت على حضور مباشر للمرشد في اللحظات المفصلية.
وقد تزامن ذلك مع تصريحات وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الذي أشار إلى أن المرشد الإيراني مصاب وربما يعاني تشوهات جسدية نتيجة الضربات الأخيرة.
وسواء صحّت هذه المعلومات أو بقيت في إطار الحرب النفسية، فإن تداولها على هذا المستوى يعكس حقيقة واضحة: القيادة الإيرانية دخلت مرحلة من الغموض السياسي غير المسبوق.
ترامب وإعلان النصر المبكر
في المقابل، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب واثقًا من أن طهران باتت أقرب إلى لحظة الانكسار. فخلال اجتماع عبر الفيديو مع قادة مجموعة السبع، نقل موقع “أكسيوس” عنه قوله إن إيران “على وشك الاستسلام”، مضيفًا بلهجة لا تخلو من الاستعراض السياسي أنه “تخلّص من سرطان كان يهدد الجميع”.
لكن عبارة أخرى قالها ترامب ربما كانت الأكثر دلالة عندما أشار إلى أن “لا أحد يعرف من هو القائد، ولذلك لا أحد يستطيع إعلان الاستسلام”.
هذه المفارقة تختصر جانبًا مهمًا من الأزمة الإيرانية الراهنة: نظام قادر على إشعال المواجهات الإقليمية، لكنه يبدو أقل قدرة على اتخاذ قرار سياسي حاسم في لحظة مصيرية.
المعارضة: الجمهورية تتحول إلى عائلة
أما المعارضة الإيرانية في الخارج فقد استقبلت الرسالة الأولى للمرشد الجديد بنبرة شديدة القسوة. فوفق تقييمات صادرة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فإن وصول مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد لا يمثل مجرد انتقال للسلطة، بل يعكس تحوّل النظام إلى سلطة عائلية فقدت الكثير من شرعيتها السياسية والدينية.
وترى المعارضة أن الخطاب الأول للمرشد الجديد كشف تناقضًا واضحًا بين لغة التحدي التي حملها النص، والخوف الذي يخيّم على الواقع الداخلي للنظام.
فالرجل الذي هدّد الخارج، توعّد أيضًا الداخل بقمع أي احتجاجات جديدة، في إشارة إلى أن النظام لم يعد يملك سوى أدوات القوة الأمنية للحفاظ على بقائه.
الشارع الإيراني: قلق تحت السطح
المؤشرات القادمة من الداخل الإيراني تعكس بدورها حجم التوتر المتصاعد. ففي شوارع طهران ومدن أخرى، تتحدث تقارير متطابقة عن انتشار مكثف لعناصر الأمن وميليشيا الباسيج، مع إقامة نقاط تفتيش في عدد من المناطق الحساسة.
هذا المشهد يعكس حالة من الاستنفار الداخلي، في وقت يخشى فيه النظام من عودة موجة الاحتجاجات الشعبية التي هزّت البلاد خلال الأشهر الماضية. فإيران اليوم لا تواجه فقط ضغوطًا خارجية، بل تعيش أيضًا أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، تتقاطع مع صراع مكتوم داخل مراكز القوة في الدولة.
اختبار البقاء
التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الإيراني اليوم لا يقتصر على المواجهة العسكرية أو الضغوط الدبلوماسية. إنه تحدي الشرعية السياسية في لحظة انتقال السلطة بطريقة بدت أقرب إلى التوريث منها إلى الاختيار المؤسسي.
فالجمهورية التي قامت عام 1979 على شعار “ولاية الفقيه” تجد نفسها الآن أمام واقع مختلف: مرشد جديد يفتقر إلى الكاريزما السياسية والدينية التي تمتع بها سلفه، ومؤسسات أمنية – وعلى رأسها الحرس الثوري – تزداد نفوذًا في إدارة الدولة.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح مستقبل النظام مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين ثلاث جبهات متشابكة: الرد على الضغوط الخارجية، وضبط الشارع الداخلي، ومنع الصراع بين مراكز القوة.
لحظة تاريخية مفتوحة
قد تكون الرسالة الأولى لمجتبى خامنئي أكثر من مجرد خطاب سياسي عابر. إنها، في جوهرها، علامة على أن إيران دخلت مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تتقاطع فيها الحرب مع انتقال السلطة، وتتداخل فيها الحسابات الداخلية مع التحولات الإقليمية.
وربما لن تسقط الجمهورية الإسلامية غدًا، لكن المؤكد أن إيران بعد هذه الرسالة لن تعود كما كانت قبلها. فإيران اليوم لا تواجه مجرد حرب… بل تواجه سؤال البقاء.

Leave a comment