بقلم سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يعد المشهد في لبنان يقتصر على أرقام الحرب أو بيانات القصف المتبادلة، بل تحول إلى مأساة إنسانية يعيشها نحو مليون لبناني اضطروا للنزوح عن منازلهم منذ الثاني من مارس وحتى اليوم، نتيجة اندلاع مغامرة حزب الله الانتحارية ضد إسرائيل، ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خلال الهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران.
هذا النزوح الجماعي لم يترك المدنيين فقط في حالة رعب وقلق، بل ترك الدولة اللبنانية عاجزة عن حماية مواطنيها وسط صراع أوسع لا يبدو أن له نهاية قريبة.
في السياق ذاته، أطلقت وزارة الصحة اللبنانية حصيلة مأساوية: 826 قتيلًا على الأقل، بينهم 106 أطفال، سقطوا منذ بداية الاشتباكات، فيما تواصل إسرائيل حملة قصف واسعة ضد مواقع حزب الله، الذي ردّ بدوره بإطلاق مئات الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تمثل قصص حياة مفككة، أسر فقدت أبنائها، ومدنًا توقفت عن التنفس تحت وطأة الدمار.
أفق التفاوض المباشر
وسط هذه الأزمة، تتجه الأنظار إلى المشاورات الأخيرة بين الرؤساء الثلاثة في لبنان لتشكيل وفد تفاوضي مع إسرائيل. وفق ما نقلت وسائل الإعلام، فقد أجرى الرئيس جوزاف عون، رئيس الجمهورية، سلسلة لقاءات مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مؤكدًا ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وفتح مسار لوقف إطلاق النار، تمهيدًا للبحث في خطوات لاحقة. إلا أن رئيس البرلمان نبيه بري رفض مشاركة ممثل عن الثنائي الشيعي في الوفد، ما يعكس التوتر الداخلي العميق بين القوى اللبنانية المختلفة حول كيفية إدارة الأزمة.
الصحافة الإسرائيلية، وعلى رأسها صحيفة هآرتس، توقعت إجراء محادثات مباشرة خلال الأيام المقبلة بين إسرائيل ولبنان، لأول مرة منذ اندلاع الحرب مع إيران التي وسّعت نطاقها ليشمل الأراضي اللبنانية بشكل كامل.
ومن المقرر أن يشارك جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في هذه المحادثات التي قد تُعقد في باريس أو قبرص، فيما سيرأس الوفد الإسرائيلي رون ديرمر المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ومن المنتظر أن تركز المفاوضات على إنهاء القتال في لبنان ونزع سلاح حزب الله، مع محاولة لاحتواء الأزمة الإنسانية الطاحنة.
عِبرٌ من الماضي
لعل التاريخ اللبناني الحديث يقدم دروسًا مهمة في هذا الإطار. فهذه ليست المرة الأولى التي تُجري فيها الأطراف اللبنانية والإسرائيلية مفاوضات مباشرة… اتفاق 17 أيار عام 1983 بين المفاوضين الإسرائيلي ديفيد كيمحي واللبناني أنطوان فتال، تمّ التوصل إليه، ثم أُلغي لاحقًا بعد أن رفض الرئيس اللبناني آنذاك أمين الجميّل توقيعه، رغم موافقة غالبية البرلمان اللبناني.
أسباب الرفض آنذاك كانت مرتبطة بالضغوط التي مارستها شخصيات لبنانية نافذة مثل سليمان فرنجية، رشيد كرامي، نبيه بري، ووليد جنبلاط، خدمةً لمشروع الرئيس السوري حافظ الأسد في لبنان.
هذا التاريخ يذكّر بأن السياسة في لبنان غالبًا ما تُصنع خلف الكواليس، وأن القرارات الحاسمة غالبًا ما تتأثر بعوامل خارجية أكثر من تأثير مصالح المواطنين المباشرة.
اليوم، وبينما تتهيأ الأطراف المعنية لفتح قناة التفاوض المباشر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستتمكن هذه الجهود الدبلوماسية من وضع حد لمعاناة اللبنانيين؟ أم أن التوازنات الداخلية والخارجية ستستمر في دفع البلاد نحو المزيد من النزوح والدمار؟
في هذه اللحظة الحرجة، لا يملك لبنان سوى الأمل في أن تُترجم المساعي السياسية إلى أفعال تحفظ حياة المدنيين، بعيدًا عن الحسابات الانتهازية للحروب الإقليمية.
فإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الحلول الحقيقية لن تأتي إلا من الحوار الصادق والمباشر، لا من صواريخ الردع أو المغامرات العسكرية. وهنا تكمن مسؤولية جميع الأطراف: حماية اللبنانيين أولًا، قبل حماية أي مشاريع سياسية أو إقليمية.

Leave a comment