تسعة وأربعون عامًا في الصحافة: ما الذي تعلّمتُه من الحروب عن السلام

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

علّمتني قرابة نصف قرن في المهنة مفارقة غريبة: كلما توغّل الصحافي أكثر في جغرافيا الحروب، ازداد إيمانه بضرورة السلام.

قبل تسعة وأربعين عامًا، دخلتُ غرفة تحرير صحيفة للمرة الأولى في حياتي. كنتُ شابًا فضوليًا، تملؤني الرغبة في اكتشاف العالم خارج حدود تجربتي الشخصية. بدت لي الصحافة آنذاك الطريق الأقصر نحو ذلك الأفق؛ مهنة تتيح لصاحبها أن يلامس نبض التاريخ وهو يتشكّل أمام عينيه.

لم أكن أعلم يومها أن الطريق الذي بدأته بهدوء في تلك الغرفة الصغيرة سيقودني لاحقًا عبر قاراتٍ عدة، وإلى بعض أكثر مناطق الصراع قتامة في عالمنا المعاصر.

نبض الجغرافيا

على مدى العقود التي تلت، حملتني الصحافة من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، ومن القوقاز إلى آسيا الوسطى، ومن القرن الأفريقي إلى قلب الشرق الأوسط.

وجدتُ نفسي أكتب من أماكن كانت الأرض فيها ترتجف تحت وقع الحروب: يوغوسلافيا عام 1999، والشيشان عام 2000، وأفغانستان عام 2001، والصومال بين عامي 2001 و2002، ثم العراق عام 2003.

في تلك السنوات، كان كل تكليف صحافي يبدو بالنسبة لي مجرد فصل جديد في حياة مراسل: قصة أخرى ينبغي تغطيتها، أزمة جديدة تحتاج إلى تفسير، وجبهة أخرى تستدعي المراقبة.

شريط الذكريات

لكن الحروب لا تترك الصحافيين كما كانوا قبلها. إنها تتراكم بصمت داخل الإنسان. تعود للظهور لاحقًا على هيئة وجوهٍ لا يمكن نسيانها، أو مدنٍ لا تتذكرها بمعالمها بقدر ما تتذكرها بأنقاضها، أو لحظات يتحوّل فيها التاريخ فجأة إلى تجربة إنسانية موجعة.

في كوسوفو رأيت عائلات تغادر بيوتها مسرعة، لا تحمل معها سوى الثياب التي كانت ترتديها.

وفي الشيشان بدت أحياء كاملة وكأنها شهادة صامتة على حربٍ أزالت الحدود بين الأهداف العسكرية وحياة المدنيين.

أما في أفغانستان، فقد كانت ظلال الصراعات الجيوسياسية الكبرى تمتد فوق قرى صغيرة لم يكن سكانها يتمنون أكثر من النجاة بيومٍ إضافي.

وفي الصومال، حيث انهارت الدولة نفسها، تحوّلت الحياة اليومية إلى نوع من التفاوض الهش مع الفوضى.

أما في العراق، فقد ذكّرتنا الحرب مرة أخرى بسرعة مذهلة كيف يمكن لقرارات سياسية تُتخذ في عواصم بعيدة أن تعيد رسم مصائر ملايين البشر.

بين المشاعر والرواية

في تلك المرحلة، كنت أعتقد أن مهمتي تقتصر على نقل ما أراه. أن أكتب، وأن أوثّق، وأن أشرح للقارئ ما يجري على الأرض.

لكن مع مرور السنوات، بدأتُ أدرك أن مشاهدة الحروب عن قرب تغيّر طريقة تفكير الإنسان في معنى السلام.

كلما اقترب المرء من دوائر الصراع، اكتشف أن الحروب نادرًا ما تبدو على الأرض كما تُصوَّر في الخطب السياسية أو البيانات الرسمية.

هناك، في الميدان، لا تكون الحرب مسألة استراتيجيات أو انتصارات بقدر ما تكون امتحانًا قاسيًا لقدرة البشر على الصمود.

إنها حكاية عائلات تبحث عن الأمان، وجنود يحاولون الحفاظ على إنسانيتهم في ظروف غير إنسانية، ومجتمعات تحاول أن تعيد بناء معنى الحياة بعد الخراب.

بالنسبة للصحافيين، تتطلب تغطية الحروب قدرًا من المسافة العاطفية. فهذا جزء من انضباط المهنة: أن تراقب، وأن توثّق، وأن تشرح دون أن تسمح للمشاعر بأن تطغى على الرواية.

لكن لهذه المسافة حدودًا. فثمة لحظات يلحق فيها بك ثقل ما رأيت — أحيانًا بعد سنوات، وأحيانًا بشكل مفاجئ، في الفواصل الهادئة بين مهمة صحافية وأخرى.

بالسلام نثق

اليوم، وبعد ما يقارب نصف قرن في الصحافة، أدرك أن أهم درس تعلّمته في هذه المهنة لم يأتِ من المؤتمرات الصحافية، ولا من المفاوضات السياسية، ولا من الإحاطات الرسمية. لقد جاء من خطوط النار.

فالحرب — على نحوٍ مفارق — هي التي تعلّم الإنسان القيمة الحقيقية للسلام. ليس بوصفه شعارًا. ولا باعتباره أمنية دبلوماسية. بل بوصفه حالة إنسانية هشّة ينبغي على المجتمعات أن تحميها باستمرار.

ربما لهذا السبب تحديدًا، وبعد سنوات طويلة من الكتابة من مناطق النزاع، أصبحت أؤمن بفكرة بسيطة باتت اليوم ترشد تأملاتي في الصحافة والحياة معًا: بالسلام نثق. لأن الذين رأوا الحروب عن قرب يدركون حقيقة يسهل نسيانها من بعيد: السلام ليس أمرًا مضمونًا. إنه قيمة يجب الدفاع عنها — بالذاكرة، وبالحقيقة، وبإصرار هادئ لدى أولئك الذين شهدوا ما يحدث عندما يختفي السلام من حياة البشر.

Leave a comment