بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
في واشنطن، حيث أكتب الآن، يبدو لبنان كأنه خبر عاجل دائم، لا كبلدٍ حيّ. تتوالى الصور: قرى جنوبية محروقة، عائلات تنزح، وأمهات ينتظرن أبناءً قد لا يعودون. لكن ما لا يظهر في الصورة، أو ما يُخفى خلف ضجيج الحرب، هو الحقيقة الأشدّ قسوة: أن قرار هذه الحرب لا يُتخذ في بيروت.
منذ تأسيسه على يد الحرس الثوري الإيراني عام 1982، لم يكن حزب الله مجرّد فاعل لبناني، بل امتدادًا استراتيجيًا لمشروع إقليمي أكبر. اليوم، ومع ما تكشفه المعطيات الأخيرة، يبدو أن هذا الارتباط لم يعد مجرد تحالف أو تنسيق، بل تحوّل إلى ارتهانٍ كامل، يُعاد فيه تشكيل الحزب وفق احتياجات الحرب الإيرانية، لا وفق مصالح الدولة اللبنانية.
من الضاحية إلى طهران: القرار حين يهاجر من الوطن
بعد الضربة القاسية التي تلقّاها الحزب في حرب 2024، والتي أدت إلى مقتل أمينه العام حسن نصر الله وعدد من كبار قادته، لم تكن عملية إعادة البناء داخلية. بل جاءت، وفق المعطيات، بإشراف مباشر من ضباط إيرانيين، أُرسلوا خصيصًا لسدّ الفراغ القيادي، وإعادة هيكلة التنظيم عسكريًا وأمنيًا.
هنا، لا يعود السؤال: كيف تعافى الحزب؟ بل: من الذي أعاد بناءه، ولأي هدف؟
الإجابة تبدو واضحة: طهران احتاجت إلى ذراع جاهزة، فأعادت تشكيل الذراع.
ما بعد الضربة: إعادة بناء على قياس الحرب لا الدولة
لم تكن إعادة الهيكلة مجرد ترميم. بل كانت إعادة اختراع. ضباط الحرس الثوري الإيراني لم يكتفوا بالتدريب وإعادة التسليح، بل أعادوا رسم بنية القيادة نفسها. تم تفكيك التسلسل الهرمي التقليدي، واستُبدل بنموذج لامركزي قائم على خلايا صغيرة، لكل منها معرفة محدودة.
هذا النموذج، الذي يُشبه تكتيكات “الدفاع الفسيفسائي” الإيرانية، لا يهدف فقط إلى الصمود أمام الاختراقات الأمنية الإسرائيلية، بل أيضًا إلى ضمان استمرارية القتال حتى في حال غياب القيادة.
بعبارة أخرى: تم تصميم الحزب ليقاتل… حتى لو غاب قراره اللبناني بالكامل.
اللامركزية القاتلة: حزب بلا رأس… لكن برأسٍ إيراني
قد يبدو النموذج اللامركزي أكثر “مرونة” عسكريًا، لكنه يحمل دلالة أخطر سياسيًا: إنه يعني أن القرار لم يعد يُتخذ داخل بنية لبنانية يمكن مساءلتها أو التأثير عليها، بل أصبح موزعًا ضمن منظومة مرتبطة بعقيدة قتالية إيرانية.
وحين تُنسّق الهجمات الصاروخية بين إيران ولبنان في توقيتٍ واحد، كما حصل مؤخرًا، فإن الحدود بين الجبهتين تسقط عمليًا. يصبح لبنان ساحة، لا طرفًا.
الحرب التي لا تخصّ لبنان… ويدفع ثمنها اللبنانيون
منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، أطلق الحزب مئات الصواريخ، وردّت إسرائيل بعنف، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألف شخص في لبنان، معظمهم من المدنيين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: هل هذه الحرب حرب لبنان؟
حين تُبنى الخطط في طهران، ويُعاد تشكيل القيادة بقرار إيراني، ويُستخدم الميدان اللبناني كجزء من صراع أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن لبنان يتحوّل إلى ورقة تفاوض، لا إلى دولة ذات سيادة.
حتى الحكومة اللبنانية، التي حاولت طلب مغادرة عناصر إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري، بدت عاجزة أمام واقعٍ يتجاوز قدرتها.
من واشنطن: حين يبدو الوطن بعيدًا… ومُختطفًا في آن
من هنا، من هذه المدينة البعيدة، يبدو لبنان أقرب إلى الذاكرة منه إلى الواقع. أراه في وجوه الجالية، في نشرات الأخبار، في التحليلات الباردة التي تتحدث عن “توازن الردع” و”إدارة التصعيد”.
لكن ما لا يُقال هنا، هو الألم الإنساني الذي لا يُقاس بالاستراتيجيات.
لبنان اليوم ليس فقط ساحة حرب. إنه ساحة فقدان: فقدان القرار، وفقدان المعنى، وفقدان الأمل بأن يكون هذا البلد لنفسه.
لقد كان قاسم سليماني، قبل مقتله، مهندس هذا الامتداد الإقليمي الذي يربط بيروت بطهران. واليوم، بعد سنوات على غيابه، يبدو أن المشروع مستمر—بل أكثر رسوخًا.
أما في الجهة الأخرى، حيث يقف بنيامين نتنياهو، فإن المعادلة لا تختلف كثيرًا: صراع مفتوح، وأرضٌ لبنانية تدفع الثمن.
من يعيد لبنان إلى لبنان؟
ليس السؤال اليوم كيف يقاتل حزب الله، ولا كيف يعيد بناء نفسه. السؤال الحقيقي: كيف يمكن للبنان أن يستعيد نفسه من داخل هذا الاشتباك الإقليمي؟
حين يصبح السلاح خارج الدولة، والقرار خارج الحدود، والحرب خارج المصلحة الوطنية، فإن أي انتصار عسكري يفقد معناه.
وفي النهاية، لا يحتاج لبنان إلى إعادة إعمار فقط. إنه يحتاج إلى إعادة تعريف: من يقرّر الحرب؟ ومن يملك السلام؟
وحتى ذلك الحين، سيبقى اللبنانيون—في الداخل كما في المنافي—يكتبون عن وطنٍ… لا يزال يبحث عن نفسه.

Leave a comment