جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يصل الخوف في وقته إليّ في ذلك اليوم البعيد من عام 1999. وهذه، ربما، كانت أولى المفارقات التي تعلّمتها من الحروب التي قُدّر لي أن أغطي وقائعها خلال حياتي المهنية التي تمتدّ إلى نحو نصف قرن من الزمان.
وهكذا، عندما بدأت طائرات حلف شمال الأطلسي قصف يوغوسلافيا في مثل هذا اليوم من آذار/مارس 1999، كنتُ قد سبقتها إلى هناك. كنتُ في كوسوفو، حيث لا تبدأ الحروب حين تُعلَن، ولا تنتهي حين يُقال إنها انتهت.
في الأيام الأخيرة التي سبقت مغادرتي بريشتينا، كان التوتر كثيفًا إلى درجةٍ تُرى ولا تُلمس فقط. دخلت قوات “كفور” لاحقًا في حزيران/يونيو، وارتفعت في الهواء وعودٌ خجولة بالسلام، لكن الأرض كانت تقول شيئًا آخر.
عاد مقاتلو “جيش تحرير كوسوفو” إلى الشوارع، لا كجيشٍ منتصر، بل كذاكرةٍ لم تُغلق بعد. كانوا يستعيدون ما يعتبرونه حقهم، ويُصفّون ما تبقّى من حساباتهم، كأن الحرب بدّلت جلدها فقط، ولم تغادر الجسد.
في بهو فندق “غراند” في بريشتينا، جلستُ أمام ضابط أميركي حاول أن يطمئنني بلغةٍ مدروسة. كان هادئًا، واثقًا، وربما صادقًا. لكن الخارج، خلف الزجاج، كان أكثر بلاغة. كان كل شيء يتغيّر بسرعةٍ لا تمنح للإنسان فرصة الفهم.
بعدها، التقيتُ ممثلةً للأمم المتحدة، باولا غويديني. حملت في صوتها ذلك التفاؤل الحذر الذي يتقنه الدبلوماسيون. لكنني شعرتُ، مثلها، بأن الأرض التي نقف عليها أقلّ صلابةً بكثير مما تقول البيانات الرسمية.
قبل ذلك بيوم، قال لي نائب وزير الإعلام اليوغوسلافي، دروباتش، جملةً بقيت عالقة في ذهني: “الأمور تتدهور… وبسرعة”.
لم تكن تحذيراته مبالغًا فيها.
زميل من “قناة الجزيرة”، أحمد الشيخ، نقل إليّ ما هو أبعد من التحليل: تهديدات مباشرة، عبر اتصالات مجهولة. كانت الحرب، يومها، لا تكتفي بالجبهات… بل تمتدّ إلى الصوت، إلى الهاتف، إلى الاسم.
لم أخَف. أو ربما لم أسمح لنفسي أن أخاف.
ولكن عندما قررنا مغادرة بريشتينا باتجاه صربيا، كان شيءٌ ما في داخلي قد بدأ يثقل، بصمت.
لم أقل شيئًا. لم يقل أحد شيئًا.
في السيارة، كنتُ مع فلادا، السائق، وفاليفوركا، المترجمة. كنا ثلاثة أشخاص، وثلاثية صمتٍ مختلفة.
ثم، فجأة، مرّ الموت بشكلٍ عاصف… رصاصة قنّاص شقّت الهواء، ومرّت على بُعد سنتيمترات قليلة من رأسي.
لم أفكّر. لم أصرخ. لم أتجمّد.
تحطّم الزجاج. وضعتُ كتفي مكانه. حاولتُ، بلا وعي، أن أحمي الآخرين.
استمرّت السيارة. واستمرّ الزمن… بطريقةٍ غريبة.
عندما عبرنا إلى الأراضي الصربية، شعرتُ بشيءٍ يشبه النجاة، لكنه لم يكن فرحًا. كان أقرب إلى الدهشة. وفي لحظةٍ لا أعرف كيف وُلدت، صعدتُ إلى دبابة، وبدأتُ أرقص مع الجنود.
لم يكن رقصًا… بل محاولةً غير واعية لتصديق أنني ما زلتُ حيًا. ولكن الحقيقة لم تظهر هناك. بل ظهرت لاحقًا، على الطريق إلى بلغراد، قرب مدينة نيش.
التفتُّ إلى فلادا، وقلتُ بهدوءٍ غريب: “خذني إلى أي مكان نجد فيه زجاجة ويسكي”.
فعل.
شربتُ الكأس الأولى دفعةً واحدة. ثم تنفّستُ. وفجأة… انهرتُ.
بكيت.
بكيتُ كما لو أن شيئًا كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا ليخرج. وعندها فقط، وصل الخوف. متأخرًا. لكنه كامل. وجاءت معه الصور: وجوه اللاجئين، التعب الذي لا يُقال، الناس الذين فقدوا تعريف “البيت”، والبلاد التي صارت مجرد اتجاهٍ على الخريطة.
أدركتُ، متأخرًا أيضًا، أن العقل لا يواجه الخوف دائمًا في لحظته. أحيانًا… يؤجّله. يخبّئه في مكانٍ ما. إلى أن يقتنع الجسد، أخيرًا، بأنه نجا.

Leave a comment