حين يتقاطع النسبُ بالنبوة… وتُختبر الجغرافيا بالإنسان

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

كدتُ أن أقتنع بحماسة والدي الطيّب عندما باح لي بأنّ أنبياء الشرق الأوسط، على اختلاف دياناتهم وأزمنة انبعاثهم، يصبحون – في نظره – أكثر إنسانية حين تُقرأ رسائلهم بهدوءٍ واتزان في الغرب.

قال ذلك خلال جلسةٍ صباحيةٍ جمعتنا في شقتنا الجديدة في واشنطن قبل يومين.

تفهّمتُ الشحنة العاطفية التي وقفت خلف كلماته، ورغبته في البحث عن صفاءٍ ما خارج مساحة “مهد الأنبياء” المثقلة بعبث الصراعات… كأنّه يحاول أن يُنقذ المعنى من جغرافيته.

نسبٌ يتجاوز الزمن

وقبل أن أجيبه، سبقني هو إلى طبقةٍ أعمق من الحديث، وقال لي بابتسامةٍ خفيفة: “لن أعود بكِ يا عزيزتي إلى عقودٍ قريبة… بل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. إلى يوحنا الدملجي… جدّنا الأول، المدفون في بلدة الكُفل العراقية، مع رفاقه يوشع بن نون وبازوخ وخون ناقل التوراة، حيث تتجاور الحكايات مع الأنبياء، وتختلط الذاكرة بالنبوءة”.

في تلك اللحظة، لم أشعر أنّه يستدعي اسمًا، أو أسماءَ، من الماضي، بل كأنّه يستدعي مرآةً… يرى فيها نفسه، ويراني.

نزهةٌ في الجغرافيا… وسيرٌ في المعنى

خرجنا في نزهةٍ صباحيةٍ في شوارع الحيّ الهادئ. كانت المدينة تبدو مرتّبة إلى حدّ الطمأنينة، كأنّها لا تعرف شيئًا عن الفوضى التي نحملها معنا من لبنان أو من ما سبقته علينا الجغرافيا من بُلدان.

قلتُ له بهدوء: إنّ نقاء الأنبياء – إن صحّ التعبير – لم يكن يومًا ابن الجغرافيا. لا شرقًا ولا غربًا. هو حالة إنسانية نادرة، تظهر أحيانًا في أكثر الأماكن اضطرابًا، وتغيب أحيانًا في أكثر المدن انتظامًا.

حين تُصبح السياسة امتدادًا للغيب

نظر إليّ مطولًا، ثم قال: “لكن الجغرافيا يا سيرينا لا تختفي… بل تتبدّل أدواتها. انظري مثلًا إلى ما جرى خلال السنوات الأخيرة”.

ثم تابع، بصوتٍ يمزج بين التحليل والتنهيدة: “حين ظهرت اتفاقيات أبراهام، بدا وكأنّ الشرق الأوسط يخطو – ولو بحذر – نحو إعادة تعريف نفسه خارج إرث الصراعات المغلقة. وكانت المملكة العربية السعودية تقترب من تلك اللحظة، مدفوعةً بتحوّلاتٍ داخليةٍ عميقة، تجسّدت في رؤية السعودية 2030”.

توقّف قليلًا… ثم أضاف: “لكنّ المسارات الكبرى لا تُترك لتُستكتمل بسهولة. جاءت أحداث هجوم 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من تفعيلٍ لما سُمّي بـ‘وحدة الساحات’ في أكثر من ساحة، من لبنان إلى اليمن والعراق… وكأنّ يدًا خفية كانت تعيد خلط الأوراق، لا باسم السياسة فقط، بل باسم الدين أيضًا”.

من الدين إلى الإنسان… أو العكس

سألته: “وهل يعني ذلك أن الدين يُعاد تشكيله سياسيًا؟”

أجابني بهدوءٍ عميق: “بل يعني أن الصراع على المعنى لم يتوقف يومًا. هناك من يريد للدين أن يبقى أداة صراع، وهناك من يحاول أن يعيده إلى الإنسان”.

ثم أضاف، كمن يهمس لفكرةٍ أكثر منه يشرحها: “ربما لم تكن المشكلة يومًا في الأنبياء… بل في الذين ورثوا أسماءهم”.

ما نصنعه نحن

قلتُ له وأنا أبتسم: “لكن ما نصنعه نحن الآن – هذا الحوار، هذه اللحظة، هذا الفهم – أليس هو شكلًا من أشكال استعادة ذلك النقاء؟”

ابتسم… وكان في عينيه بريقٌ يشبه اليقين: “بلى. أنتم لم تعثروا على النقاء لأنكم ابتعدتم… بل لأنكم أعدتم خلقه في المشهد”.

قبلةٌ على جبين المعنى

صمتُّ… ثم اقتربتُ منه، وطبعتُ قبلةً دافئةً على جبينه. وفي تلك اللحظة، لم يعد مهمًا إن كنّا في واشنطن أو في الكُفل، ولا إن كانت الحكاية تبدأ من نبيٍّ قديم… أو من خبرٍ عاجل.

كان المهم فقط… أننا، لوهلةٍ واحدة، فهمنا… فهمنا جدوى الانتماء للتاريخ.. وللحوار تتمّة.

Leave a comment