بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
أعترفُ مسبقًا بأنني لم أفهم يومًا لماذا تبدأ الحكايات الكبرى من وجعٍ صغير. لكنني، كلما كبرتُ في السنّ – وأنا الذي أكادُ أن أقتربَ من حافة السبعين – ما زلتُ أكتشفُ أنّ “الآه” ليست صوتًا عابرًا، بل لغة كاملة… لغةٌ لا يتقنها إلّا الذين عبروا بين الخسارة والرجاء، ولم يستقرّوا في أيٍّ منهما.
ربما لهذا السبب، كنتُ أشعر دائمًا أنني وُلدت من موّال. لا من رحمٍ فقط، بل من نغمةٍ طويلةٍ متعبة، تشبه ليلًا لا ينتهي، وتُشبه أيضًا هذا البلد الذي يرفض أن يموت رغم كل ما فيه من أسبابٍ للموت.
بدايات اليقين
في طفولتي، لم أكن أفهم معنى أن يُغنّى الحزن. كنت أظنّ أنّ الغناء احتفالٌ، وأنّ الكلمات يجب أن تكون خفيفة مثل الرقص… لكنني كبرتُ، واكتشفتُ أنّ بعض الأوطان لا تُروى إلّا بصوتٍ مبحوح… وأنّ بعض القلوب لا تنجو إلّا إذا تعلّمت كيف تُرتّل ألمها بدل أن تُخفيه.
يقولون إنّ طائر الفينيق ينهض من رماده. كنتُ أظنها أسطورة جميلة، تُقال للأطفال كي لا يخافوا من النهاية. لكنني، في مكانٍ ما بين بيروت التي أعرفها، وتلك التي تُعاد كتابتها كل يوم، بدأتُ أفهم أنّ الفينيق ليس طائرًا… بل عادة.
عادةُ أن نحترق، ثم نقف. أن نخسر، ثم نبتسم. أن نكذب على أنفسنا قليلًا لنتمكّن من الاستمرار.
وهجُ الذاكرة
في كل مرةٍ كنتُ أظنّ أنّ شيئًا ما انتهى، كان ثمة ما ينهض في داخلي دون إذن. شيءٌ لا أعرف إن كان إيمانًا، أم عنادًا، أم مجرّد خوفٍ من الفراغ.
كبرتُ أيضًا، وبدأتُ أطرح الأسئلة التي لا يحبّها أحد. عن الله، مثلًا… ليس كفكرةٍ مقدّسة، بل كعلاقةٍ معقّدة، مليئة بالتردّد.
علّمونا أنّ الإيمان طمأنينة. لكنني رأيت فيه، أحيانًا، قلقًا عميقًا يشبه الوقوف على حافةٍ لا نراها. وعلّمونا أنّ الدعاء خلاص، لكنني شعرت، في لحظاتٍ كثيرة، أن ما نسمّيه رجاءً، ليس سوى محاولةٍ أنيقة لتبرير الخوف.
لم أكفر… ولم أؤمن كما ينبغي. كنتُ فقط أبحث عن معنى لا يُشبه ما قيل لي، وعن الله الذي لا يُشبه الخوف منه.
سردياتُ الانتماء
أما الوطن… فكان دائمًا قصيدةً غير مكتملة… قالوا لي إنّ لبنان فكرة. وقالوا إنه رسالة. لكنني رأيته، مرارًا، كجسدٍ متعب، يُجيد التجمّل أمام الغرباء، ثم ينهار بصمتٍ حين يعود إلى نفسه.
ومع ذلك، لم أستطع أن أكرهه. ربما لأننا لا نختار أوطاننا، بل نتورّط فيها: في رائحة القهوة، في تفاصيل الصباح، في أغنيةٍ قديمة، وفي لهجةٍ تشبهني… كنت أجد شيئًا يُقنعني بأن هذا الخراب، على قسوته، يحمل وجهًا أعرفه… وجهًا يشبهني أكثر مما أريد.
ذات مرة، سألت نفسي: لماذا نستمر؟ لماذا لا نغادر هذا التعب، هذا التناقض، هذا الشعور الدائم بأننا نعيش بين ما يجب أن يكون، وما هو كائن؟
لم أجد جوابًا واضحًا. لكنني أدركتُ شيئًا واحدًا: أنّ “الآه” التي نحاول الهروب منها… هي نفسها التي تُبقينا هنا.
هي التي تجعلنا نكتبُ، ونحبّ، ونغنّي، ونحلم، رغم كل شيء.
هي التي تحوّل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى شيءٍ يشبه البقاء.
غريزة البقاء
اليوم، أفهمُ أكثر… أفهمُ أنّ الموّال ليس حزنًا فقط، بل تمرين على النجاة. وأنّ الليل، مهما طال، لا يُخيف الذين تعلّموا كيف يرونه من الداخل. وأنّ الفينيق، في النهاية، ليس بطلًا… بل شاهدًا على أننا، رغم كل شيء، لا نزال نحاول.
أما أنا… فلم أعد أخاف من “الآه”. صرتُ أسمع فيها شيئًا يشبهني. شيئًا يقول لي، بهدوءٍ لا يخلو من التعب: إنك ما زلت هنا… وهذا، في بلادٍ مثل هذه التي نجونا منها، يكفي ليكون لنا بداية، حيث الآهُ ترتيل القوافي، والليلُ والعينُ طقسٌ من طقوس المُبهر في غمرةِ الزمن المُحال… والسلام.

Leave a comment