بين لغة “الفناء” وآفاق “الهدنة” في أحاديث ترامب: هل نحن أمام تهديد أم مناورة؟

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “إمكانية فناء حضارة بأكملها” في إيران مجرّد زلة لسان عابرة، ولا حتى تصعيدًا تقليديًا في قاموس السياسة الدولية. كان، بكل بساطة، إعلانًا عن انتقال الخطاب الأميركي من حافة الردع إلى حافة الإبادة الرمزية – حتى وإن لم يكن المقصود تنفيذها فعليًا.

كان من الصعب على الكثيرين أن يتعاملوا مع هذا النوع من اللغة بوصفه مجرد “تكتيك تفاوضي”، كما حاول بعض مسؤولي البيت الأبيض تبريره. لأن الكلمات، حين تصدر عن رئيس أقوى دولة في العالم، لا تبقى كلمات. إنها تتحول إلى أدوات ضغط، وإلى إشارات ميدانية، وإلى احتمالات مفتوحة على كوارث حقيقية.

لغة الفناء: حين تصبح السياسة تهديدًا وجوديًا

أن يهدد رئيس دولة بـ”محو حضارة” هو أمر يتجاوز كل الأعراف السياسية، حتى في أشد مراحل الحرب الباردة توترًا. لم يكن رونالد ريغان ولا ميخائيل غورباتشوف يتحدثان بهذه الصيغة المباشرة عن “فناء” الآخر، رغم امتلاكهما ترسانات نووية قادرة على ذلك.

ما قاله ترامب لا يستهدف نظامًا سياسيًا فحسب، بل يمسّ شعبًا، وتاريخًا، وثقافةً ضاربة في عمق آلاف السنين. وهنا تحديدًا يكمن الخطر: تحويل الصراع السياسي والعسكري إلى صراع وجودي.

ردود الفعل الدولية لم تكن مفاجئة. الانتقادات جاءت من كل اتجاه: من داخل الكونغرس الأميركي، من دبلوماسيين دوليين، وحتى من مرجعيات دينية عالمية. لكن الأهم، في تقديري، هو القلق الذي تسلل إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه – وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن هذا النوع من الخطاب قد يخرج عن السيطرة.

عدم القدرة على التنبؤ… أم استراتيجية محسوبة؟

داخل البيت الأبيض، هناك رواية مختلفة: ترامب لا يهدد، بل “يفاوض بصوت مرتفع”. يعتمد على ما يسميه بعض مستشاريه “قوة الغموض”، أي أن يبدو مستعدًا لكل شيء كي ينتزع تنازلات من خصمه.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة. لقد استخدمها ترامب سابقًا مع كوريا الشمالية، ومع الصين، وحتى مع حلفاء تقليديين. لكنها هذه المرة تُستخدم في سياق أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث تتداخل خطوط النار بين الولايات المتحدة وإيران، وتمرّ عبر جغرافيا شديدة الحساسية – من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان.

المشكلة هنا أن “عدم القدرة على التنبؤ” قد تتحول من أداة تفاوض إلى عامل تفجير. لأن الطرف المقابل، أي إيران، قد يفسّر هذه اللغة على أنها تمهيد لعمل عسكري شامل، فيتصرف على هذا الأساس.

هدنة الأسبوعين: استراحة تكتيكية أم إعادة تموضع؟

بعد ساعات فقط من هذا التصعيد الكلامي غير المسبوق، جاء الإعلان عن هدنة لمدة أسبوعين، بوساطة باكستانية، وبموافقة أميركية – إيرانية، مع التزام إسرائيلي بها؛ ولو جزئيًا.

هذا التحول السريع من لغة “الفناء” إلى لغة “الهدنة” يكشف بوضوح أن ما يجري ليس قرار حرب بقدر ما هو إدارة أزمة على حافة الانفجار.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تعني هذه الهدنة فعليًا؟

في تقديري، هي ليست سلامًا، ولا حتى وقفًا ثابتًا لإطلاق النار. إنها أقرب إلى “نافذة اختبار”:

*اختبار لمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات، خصوصًا في ما يتعلق بمضيق هرمز.

*اختبار لمدى قدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع التصعيد.

*واختبار – وهنا الأهم بالنسبة إلى لبنان – لما إذا كانت إسرائيل ستلتزم فعلًا بتهدئة شاملة، أم أنها ستبقي جبهتها الشمالية مفتوحة مع “حزب الله”.

غياب الوضوح في هذه النقطة الأخيرة ليس تفصيلًا. لأنه يعني أن لبنان قد يبقى خارج “مظلة التهدئة”، حتى لو ساد الهدوء النسبي بين واشنطن وطهران.

لبنان بين سطور التهديدات

من موقعنا في هذا الشرق المتعب، لا يمكننا أن نقرأ تصريحات ترامب حيال إيران أو الهدنة المعلنة معها بمعزل عن تداعياتها علينا.

إذا كانت واشنطن تريد من طهران وقف دعم حلفائها في المنطقة، فإن ذلك يضع “حزب الله” في قلب المعادلة. وإذا كانت إسرائيل جزءًا من هذا التفاهم المؤقت، فإن سلوكها في الجنوب اللبناني سيكشف سريعًا حدود هذه الهدنة.

هل نحن أمام تهدئة شاملة؟ أم أمام إعادة توزيع للأدوار، حيث يُطلب من بعض الجبهات أن تصمت بينما تستمر أخرى في الاشتعال؟

بين التهديد والواقع: ما الذي يريده ترامب فعلًا؟

في العمق، لا يبدو أن ترامب يريد حربًا طويلة. هو نفسه وصف المواجهة في بدايتها بأنها “قصيرة الأمد”. لكن الضغوط الاقتصادية، وارتفاع أسعار الطاقة، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كلها عوامل تدفعه إلى البحث عن “نصر سريع”.

وهنا تحديدًا يمكن فهم لغته الحادة: إنها محاولة لتحقيق إنجاز تفاوضي كبير بأقل كلفة عسكرية ممكنة.

لكن هذا النوع من اللعب على الحافة خطير بطبيعته. لأن الفارق بين “التهديد لتحقيق مكسب” و”الانزلاق إلى مواجهة شاملة” قد يكون لحظة سوء تقدير واحدة.

الكلمات التي قد تشعل الحروب

أخشى، أكثر من أي وقت مضى، أن تتحول اللغة إلى سلاح قائم بحد ذاته.

حين يقول رئيس دولة إن “حضارة بأكملها قد تفنى”، فهو لا يهدد فقط، بل يعيد تعريف حدود الممكن في الصراع.

قد تكون “هدنة الأسبوعين” فرصة لالتقاط الأنفاس. لكنها أيضًا تذكير بأننا نعيش في زمن يمكن أن تبدأ فيه الحروب بجملة… وتنتهي بكارثة.

وفي مكان ما بين هذه الجملة وتلك الكارثة، يقف العالم – ومن ضمنه لبنان – معلّقًا على حافة كلمة.

Leave a comment