بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
لم يكد الحبر يجف على إعلان “هدنة الأسبوعين” بين الولايات المتحدة وإيران، حتى بدأت ملامحها تتآكل تحت وقع النيران المتنقلة في المنطقة. ما بدا، للوهلة الأولى، كنافذة لالتقاط الأنفاس، سرعان ما تحوّل إلى اختبار قاسٍ لمدى جدية الأطراف في تحويل هذه الهدنة إلى مسار سياسي مستدام.
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى الاتفاق، كانت الأسواق العالمية أول من يصفّق. ارتفعت الأسهم، وانخفضت أسعار النفط، وكأن العالم أراد أن يصدق أن شبح الحرب الشاملة قد تراجع خطوة إلى الوراء. لكن الشرق الأوسط، كعادته، لا يقرأ البيانات السياسية بقدر ما يقرأ ما يجري على الأرض.
هدنة تحت القصف
في اليوم نفسه، كانت إسرائيل توسّع نطاق عملياتها في لبنان، مستهدفةً مواقع بدت، هذه المرة، خارجة عن النمط التقليدي للضربات. لم تعد الضاحية الجنوبية وحدها في دائرة الاستهداف، بل امتد القصف إلى مناطق تُحسب—ولو نظريًا—خارج خطوط الاشتباك المعتادة.
في المقابل، لم تتردد إيران في إرسال رسائلها النارية إلى الخليج، عبر استهداف منشآت حيوية للطاقة في أكثر من دولة. الرسالة هنا واضحة: الهدنة مع واشنطن لا تعني التراجع عن أدوات الضغط الإقليمية.
وهنا تحديدًا تتكشف أولى مفارقات هذه الهدنة: وقف إطلاق نار بين دولتين، يقابله تصعيد متعدد الجبهات عبر الحلفاء والخصوم على حد سواء.
إسلام آباد: فرصة أم مسرح جديد للمناورة؟
الأنظار تتجه الآن إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث من المرتقب أن يجلس ممثلو واشنطن وطهران إلى طاولة واحدة.
الاجتماع، في حال انعقاده، لن يكون مجرد لقاء دبلوماسي تقليدي. إنه اختبار حقيقي لما إذا كانت “هدنة الأسبوعين” تمثل: استراحة محارب لإعادة التموضع، أم مدخلًا تدريجيًا نحو تفاهم أوسع يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
المؤشرات حتى الآن متناقضة. فمن جهة، هناك حديث عن احتمال فتح مضيق هرمز، ولو بشكل مشروط ومحدود، ما قد يشكل بادرة حسن نية. ومن جهة أخرى، لا تزال العمليات العسكرية غير المباشرة مستمرة بوتيرة مقلقة.
فرص إنجاح الهدنة: ما الذي يمكن البناء عليه؟
رغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن إنكار وجود فرص—ولو ضيقة—لإنجاح هذه الهدنة.
أول هذه الفرص يكمن في الإرهاق المتبادل. لا واشنطن تريد حربًا طويلة ومكلفة، ولا طهران مستعدة لتحمل تبعات مواجهة مفتوحة مع قوة عظمى، خصوصًا في ظل هشاشة داخلية نسبية.
ثانيها هو العامل الاقتصادي. الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة شكّل ضغطًا على الجميع، من المستهلك الأميركي إلى الاقتصادات الخليجية، ما يخلق مصلحة مشتركة—ولو مؤقتة—في التهدئة.
أما ثالثها، فهو الدور الوسيط الذي قد تلعبه باكستان، ليس فقط كمضيف، بل كقناة تواصل بين طرفين يفتقران إلى الثقة المباشرة.
لكن… أين تكمن المخاطر؟
المشكلة الأساسية، في تقديري، لا تكمن في غياب الفرص، بل في فائض الشكوك.
إيران، التي أعلنت “انتصارها”، لن تكون مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية بسهولة. والولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تبحث عن إنجاز سريع يمكن تسويقه داخليًا.
أما إسرائيل، فهي العامل الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة. إذ يبدو أنها غير مستعدة لمنح الدبلوماسية الوقت الكافي، خصوصًا إذا شعرت أن أي اتفاق محتمل لن يحقق هدفها الاستراتيجي المتمثل في تقويض النفوذ الإيراني بشكل جذري.
إيران وحلفاؤها: كيف تُفسَّر الهدنة؟
في حال نجحت مفاوضات إسلام آباد، يمكن توقّع أن تقدّم طهران الهدنة لحلفائها—وفي مقدمتهم “حزب الله”—بوصفها انتصارًا تكتيكيًا فرض على واشنطن التراجع والجلوس إلى طاولة التفاوض.
أما إذا فشلت، فسيكون الخطاب مختلفًا: الهدنة كانت مجرد “فخ” أو “مناورة أميركية”، ما يبرر العودة إلى التصعيد، وربما توسيعه.
في كلا الحالتين، تحرص إيران على الحفاظ على سردية واحدة: أنها لم تُهزم، وأن أدواتها الإقليمية لا تزال فاعلة.
لبنان: في قلب الاحتمالات المفتوحة
بالنسبة للبنان، لا تبدو هذه الهدنة كضمانة بقدر ما هي مصدر قلق إضافي. إذا استمرت إسرائيل في توسيع بنك أهدافها، وإذا بقيت الجبهة اللبنانية خارج أي تفاهم واضح، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام تصعيد لا علاقة له مباشرة بالهدنة الأميركية–الإيرانية، لكنه يتغذى من تداعياتها.
وهنا تكمن المعضلة: أن يكون لبنان ساحة لتصفية حسابات لا يملك قرارها.
بين السلام والشك
أنا أؤمن—وربما بإصرار يبدو ساذجًا للبعض—أن السلام وحده قادر على إخراج هذه المنطقة من دوامة العنف. لا الحروب أنهت الصراعات، ولا “الانتصارات” صنعت استقرارًا دائمًا.
لكن، في الوقت نفسه، لا أستطيع تجاهل شكوكي العميقة في أن إيران، كما حلفاءها، مستعدة فعلًا للذهاب بعيدًا في هذا الخيار. فالتجارب السابقة تقول إن من يبني نفوذه على التوتر، لا يتخلى عنه بسهولة.
وهنا، يبدو أن هدنة الأسبوعين ليست سلامًا، بل فرصة. وفرصة كهذه، في الشرق الأوسط، لا تعيش طويلًا… فإما أن تنجح مفاوضات إسلام آباد في تحويلها إلى مسار سياسي حقيقي، أو أنها ستنتهي كما بدأت: استراحة قصيرة… قبل عودة الضجيج.
وفي الانتظار، يبقى السؤال معلّقًا: هل نحن أمام بداية نهاية الصراع… أم نهاية بداية جديدة له؟

Leave a comment