بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
في حضرة الربيع، تذوب قسوة الفصول، وتُستعاد إنسانية البشر. هنا، حيث تتعانق ابتسامتان على ضفاف الذاكرة، تتراجع ضوضاء الحروب أمام همسةٍ دافئة تقول إن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، بل خيارٌ مؤجل ينتظر أن تنضج له العقول.
في الثالث عشر من أبريل، يستيقظ اللبنانيون على جرحٍ لم يندمل بعد؛ ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وهي الحرب التي مزّقت الوطن وأثقلت ذاكرته بأوجاع الطائفية وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية. وعلى الرغم من مرور عقود على انتهائها، لا تزال تداعياتها حاضرة في تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية، وكأن الزمن في لبنان يدور في حلقةٍ من التوترات المتكررة.
لكن التاريخ، على قسوته، لا يخلو من مفارقاتٍ تحمل في طياتها بذور الأمل. ففي الرابع عشر من أبريل 2026، أي غدًا، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تستضيف وزارة الخارجية الأميركية مفاوضاتٍ غير مسبوقة في القرن الحادي والعشرين بين لبنان وإسرائيل. حدثٌ دبلوماسيٌّ قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين بلدين لطالما جمعتهما الحروب وفرّقتهما الحدود والنزاعات.
وبين التاريخين—13 و14 أبريل—يقف اللبنانيون على تخوم الذاكرة والأمل. فمن ذكرى الحرب التي اندلعت برصاصة، إلى طاولة حوار قد تُفتتح بكلمة، تتجلى المفارقة الكبرى: هل يمكن للدبلوماسية أن تطفئ نيران الماضي، أم أنها مجرد هدنةٍ مؤقتة في صراعٍ طويل؟
لا شكّ في أن انعقاد هذه المفاوضات، بمشاركة السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، وبرعاية السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، يحمل دلالات سياسية عميقة. فهو يعكس تحوّلات إقليمية ودولية متسارعة، كما يضع لبنان أمام اختبارٍ جديد بين ضرورات الواقعية السياسية ومتطلبات السيادة الوطنية.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في توقيع اتفاقٍ أو إعلان تفاهم، بل في قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الحوار إلى استقرارٍ مستدام. فالتاريخ اللبناني حافلٌ بمحطاتٍ تفاوضية لم تُفضِ دائمًا إلى سلامٍ دائم، بقدر ما كرّست توازناتٍ هشة سرعان ما عصفت بها التحولات الإقليمية.
وكما يبعث الربيع الحياة في الأرض بعد سباتٍ طويل، تتطلع الشعوب المنهكة إلى أن تنبثق من دهاليز السياسة بذورُ سلامٍ حقيقي. وفي واشنطن، حيث تُصاغ التفاهمات على وقع المصالح، يبقى السؤال: هل تنجح الدبلوماسية في تحويل لغة القوة إلى قوةٍ للسلام؟
في الصورة التي ترافق هذا المقال، تتجسد رمزية الربيع بابتسامتين تشعّان دفئًا وطمأنينة. إنها ليست مجرد لحظة عائلية عابرة، بل رسالة إنسانية تختصر حلم الأجيال: أن يحلّ الأمل مكان الخوف، وأن تزهر الحياة حيث كانت البنادق تزرع الموت.
فبين ذكرى الحرب وبوادر التفاوض، يقف لبنان مجددًا عند مفترق الطرق. هناك، حيث يتقاطع التاريخ مع الحلم، يبقى السلام خيارًا شجاعًا، لا يولد من النسيان، بل من الذاكرة؛ ولا يتحقق بالقوة، بل بالحكمة.
إنه، ببساطة، ربيعٌ ينتظر أن تنضج له العقول.

Leave a comment