لبنان يكتب فصلًا جديدًا في تاريخه: القرار الشجاع بحصرية السلاح بيد الدولة

بقلم: سيرينا مارغيلوفا

سلامُنا بوست

لم يكن نهار الخميس عاديًا في تاريخ لبنان. فقد اختار مجلس الوزراء، برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أن يضع توقيعه على ما يمكن وصفه بأكثر القرارات جرأة منذ اتفاق الطائف: قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، بلا استثناءات ولا مناطق رمادية. إنه القرار الذي طال انتظاره منذ عقود، القرار الذي يقول بوضوح إن زمن تعدّد مراكز القوة قد ولّى، وإن إرادة اللبنانيين في بسط السيادة على كامل ترابهم باتت أقوى من أي حسابات داخلية أو إملاءات خارجية.

خطة متدرجة… ولكنها حاسمة

الخطة التي أقرتها الحكومة، استنادًا إلى الورقة الأميركية المدعومة دوليًا، لا تقوم على شعارات فضفاضة، بل على مراحل زمنية واضحة:

-خلال 15 يومًا، مرسوم رسمي يلتزم بنزع سلاح حزب الله نهائيًا بحلول 31 ديسمبر 2025.

-بدء التنفيذ خلال شهرين، مع خطة دقيقة لنشر الجيش اللبناني في كل المناطق الحساسة، وتأمين الدعم اللوجستي والمالي له.

-انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من خمسة مواقع جنوبية، وصولًا إلى الانسحاب الكامل خلال 90 يومًا.

-تفكيك الأسلحة الثقيلة كافة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، في غضون 120 يومًا.

-مؤتمر اقتصادي دولي لدعم إعادة إعمار لبنان، برعاية الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا وقطر.

معادلة جديدة للسلم والسيادة

أهمية القرار لا تكمن فقط في مضمونه العسكري والأمني، بل في الرسالة السياسية التي يبعث بها: أن لبنان لم يعد يقبل أن تكون قرارات الحرب والسلم خارج مؤسساته الشرعية، وأنه مصمم على تطبيق القرار 1701 وسائر القرارات الدولية ذات الصلة. هذا الالتزام يعزز دور الدولة، ويعيد الاعتبار إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي باعتبارهما الحامي الوحيد للبلاد.

شجاعة في مواجهة المألوف

لا يمكن إنكار أن هذا المسار سيواجه تحديات، وأن هناك قوى داخلية وخارجية ستسعى إلى عرقلته. لكن شجاعة اتخاذ القرار أمس تؤكد أن هناك إرادة سياسية لكسر الحلقة المفرغة التي جعلت لبنان رهينة السلاح المتفلت لعقود. إنها خطوة أولى، لكنها خطوة تفتح الباب أمام لبنان جديد، لبنان الدولة لا الدويلات، لبنان الذي يحتكم إلى الدستور والقانون، لا إلى منطق القوة والسلاح.

أفق جديد للبنان

حين أستعيد المشهد، أرى أن ما حدث أمس لم يكن مجرد تصويت في مجلس الوزراء، بل كان إعلانًا رمزيًا لانتهاء مرحلة وبداية أخرى. مرحلة تعيد للبنانيين حقهم في الأمن والكرامة والسيادة، وتضع حدًا لزمن الاحتراب بالوكالة. ولعلّ أجمل ما في هذا القرار أنه يجمع بين بعده السيادي وبعده الإنساني، فيعيد الأمل بلبنان مزدهر، قادر على النهوض من تحت الركام، متسلحًا لا بالصواريخ، بل بإرادة الحياة.

شهادة من بعيد

من مقعدي البعيد، حيث أتابع لبنان بقلق وحب منذ سنوات، شعرت أمس أنني أشهد لحظة نادرة في تاريخ هذه البلاد التي أحببتها قبل أن أزورها. رأيت في هذا القرار ومضات من لبنان الحلم الذي يليق بشعبه: بلد سيّد مستقل، لا يُدار بالسلاح، بل بالحكمة، ولا يُخضع أبناءه بالقوة، بل يجمعهم حول مشروع وطني واحد.

سيرينا مارغيلوفا – مستشرقة روسية وباحثة في شؤون الشرق الأوسط، تقيم بين موسكو ولندن وبيروت. تنتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بالحوار العميق بين الحضارات، وتعمل على تحليل السياسات الخارجية وتأثيراتها الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية. تكتب في ضمير المتكلّم نصوصًا تحليلية تستند إلى خلفيتها الأكاديمية، دون أن تفقد بعدها الإنساني.

Leave a comment