بين الغموض والإنذار: ماذا يعني صمت البيت الأبيض حيال إيران؟

بقلم: سوزان وايتمان

سلامُنا بوست

حين يُنهي رئيس أميركي اجتماعًا استمر ثلاث ساعات مع رئيس وزراء إسرائيل من دون مؤتمر صحافي، ومن دون “قرار حاسم”، فذلك بحد ذاته رسالة.

تابعتُ لقاء الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو هذا الأسبوع من واشنطن، ولم يكن ما قيل هو الأهم، بل ما لم يُقَل. لم يُعلن اتفاق، لم تُلتقط صور موسّعة أمام الصحافة، ولم تُقدَّم تعهدات واضحة. فقط عبارة مقتضبة من ترامب: المفاوضات مع إيران ستستمر، وسنرى ما ستكون النتيجة.

في عالم السياسة الخارجية، عبارة “سنرى” تعني أحيانًا أن كل الخيارات ما زالت مفتوحة.

دبلوماسية تحت سقف التهديد

الرئيس ترامب أوضح أنه يفضّل التوصل إلى اتفاق، لكنه لم يُخفِ أن البديل قد يكون “أمرًا صارمًا للغاية”. هذه اللغة ليست جديدة في خطابه تجاه طهران، لكنها تأتي هذه المرة بعد جولة محادثات في عُمان ووسط تصاعد التوتر الإقليمي.

ما يريده البيت الأبيض، على الأقل وفق التصريحات العلنية، يبدو واضحًا: لا سلاح نووي لإيران. لكن ترامب أضاف عبارة لافتة: “لا أسلحة نووية، لا صواريخ”. هنا يبدأ الغموض.

إيران أعلنت بوضوح أن برنامجها الصاروخي “غير قابل للتفاوض”. بالنسبة لطهران، الملف النووي يمكن أن يُناقش مقابل رفع العقوبات، أما الصواريخ ونفوذها الإقليمي فهما جزء من منظومة الردع، لا ورقة تفاوض.

هذا التباعد لا يعكس فقط خلافًا تقنيًا، بل اختلافًا في تعريف الأمن ذاته.

هواجس إسرائيل… وواقعية واشنطن

في القدس، حيث أمضيتُ فترة تغطية قبل أعوام، كان الهاجس الدائم هو “الاتفاق الناقص”. تخشى إسرائيل أن تقبل واشنطن باتفاق يقيّد تخصيب اليورانيوم لكنه يترك الصواريخ الباليستية وشبكات النفوذ الإقليمي خارج المعادلة.

مصادر إسرائيلية عبّرت عن هذا القلق مجددًا. نتنياهو شدد على “الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل”، لكن من الواضح أنه لم يحصل على التزامات علنية جديدة.

في المقابل، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى مقاربة مرحلية: احتواء الخطر النووي أولًا، ثم النظر في الملفات الأخرى. السؤال هو: هل تسمح طهران بذلك؟ وهل تقبل تل أبيب به؟

شبح الخيار العسكري

لا يمكن تجاهل التلميح إلى أن العمل العسكري يبقى احتمالًا قائمًا إذا فشلت الدبلوماسية. الولايات المتحدة سبق أن انضمت إلى ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية العام الماضي خلال حرب قصيرة لكنها مكلفة. كما أن إسرائيل ألحقت أضرارًا كبيرة بالدفاعات الجوية الإيرانية.

لكن العمل العسكري، مهما كان “محدودًا”، لا يبقى محدودًا دائمًا في الشرق الأوسط. في بيروت، حيث عملتُ مراسلة خلال سنوات الحرب السورية، تعلمتُ أن أي شرارة إقليمية سرعان ما تعبر الحدود. حزب الله، حماس، المجموعات المسلحة في العراق واليمن… كلها عناصر في معادلة ردع متشابكة.

ولهذا، فإن عبارة ترامب عن “إرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية” ليست مجرد رسالة ردع، بل تذكير بأن المنطقة تقف على حافة توازن هش.

إيران بعد عام من الضربات

نفوذ إيران الإقليمي تراجع بعد المواجهات الأخيرة وخسارة حلفائها مواقع مؤثرة في سوريا ولبنان وغزة. لكن تراجع النفوذ لا يعني انهيار النظام. على العكس، الأنظمة التي تشعر بالحصار قد تميل إلى مزيد من التشدد.

القيادة الإيرانية تبدو مستعدة لمناقشة قيود نووية، لكنها تعتبر الصواريخ خطًا أحمر. هذا الموقف لا يعكس فقط حسابات عسكرية، بل قراءة داخلية أيضًا: أي تنازل واسع قد يُفسَّر ضعفًا في لحظة اضطراب داخلي.

هنا تكمن الضبابية الكبرى: هل تسعى طهران إلى شراء الوقت؟ أم إلى إعادة تموضع استراتيجي؟ أم أنها بالفعل تبحث عن مخرج اقتصادي من العقوبات؟

غزة… العقدة الموازية

اللقاء لم يقتصر على إيران. غزة كانت حاضرة على الطاولة. ترامب يتحدث عن “تقدم كبير”، لكن الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا. خطته لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار تصطدم بخلافات جوهرية، أبرزها نزع سلاح حماس ومستقبل الدولة الفلسطينية.

هنا يظهر تباين آخر بين واشنطن وتل أبيب. ترامب لا يغلق الباب نظريًا أمام قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف، فيما يرفض نتنياهو ذلك رفضًا قاطعًا، بل يمضي ائتلافه نحو خطوات توسّع السيطرة في الضفة الغربية.

هذا التباين قد لا يفجّر الخلاف علنًا، لكنه يضيف طبقة أخرى من الغموض إلى مشهد إقليمي أصلاً مثقل بالاحتمالات.

ما الذي يعنيه غياب القرار؟

في السياسة، أحيانًا يكون “عدم اتخاذ قرار” هو القرار ذاته. ترامب لم يمنح نتنياهو ما يريده علنًا. ولم يمنح إيران ضمانات. أبقى المسار الدبلوماسي مفتوحًا، وأبقى التهديد العسكري حاضرًا في الخلفية. إنها معادلة تقوم على الضغط الأقصى مع باب تفاوض موارب.

لكن الضبابية سلاح ذو حدين. فهي تمنح واشنطن مرونة، لكنها تخلق في الوقت ذاته مساحة لتقديرات خاطئة لدى الخصوم والحلفاء على السواء.

من واشنطن، يبدو المشهد كرقعة شطرنج تُعاد ترتيب قطعها. ومن القدس، يبدو كسباق مع الزمن. ومن طهران، قد يبدو كاختبار للصبر.

أما الحقيقة، فهي أن مستقبل إيران – بل وربما مستقبل توازن الشرق الأوسط – يتوقف على ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على اللحاق بسرعة التصعيد.

في نهاية الاجتماع، لم يُعلن اتفاق، ولم تُلتقط صور مطوّلة أمام الصحافيين. لكن الصمت أحيانًا أبلغ من التصريحات. والسؤال الذي يظل معلقًا: هل نحن أمام هدنة مؤقتة في مسار التصعيد… أم أمام الفصل الهادئ الذي يسبق عاصفة أكبر؟

سوزان وايتمان – صحافية أميركية مقيمة في واشنطن، عملت سابقًا في بيروت والقدس، وتكتب في السياسة الخارجية الأميركية وقضايا الشرق الأوسط بنبرة تحليلية ذات بعد إنساني

One response to “بين الغموض والإنذار: ماذا يعني صمت البيت الأبيض حيال إيران؟”

  1. kassim Avatar

    Dear سلامُنا بوست,

    Thank you for the thought-provoking article discussing the implications of the White House’s silence on Iran. I found your analysis on the geopolitical dynamics and the risks involved particularly enlightening. It’s clear that the absence of clear decisions can be as telling as direct statements. I appreciate the depth of analysis and the perspectives you’ve provided.

    Best regards, Sheikh Said Kassim

    Like

Leave a reply to kassim Cancel reply