لبنان… وفرص السلام المتاحة في أزمنة الفرص الضائعة

بقلم: جمال دملج

سلامُنا بوست

مرّت على لبنان ثلاثة أرباع قرنٍ من الفرص الضائعة، كأنّ تاريخه الحديث لم يكن سوى سلسلةٍ من المحطات المؤجّلة، حيث تتبدّد الآمال عند عتبات التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية. ومن بين هذه المحطات، يبرز عام 1982 بوصفه نقطة تحوّل مفصلية، لا في مسار الحرب الأهلية اللبنانية فحسب، بل في صياغة التوازنات الإقليمية التي ستطبع مستقبل البلاد لعقودٍ طويلة.

لم يكن من قبيل الصدفة أن تتزامن عملية “سلامة الجليل” التي بدأها الجيش الإسرائيلي في السادس من يونيو من ذلك العام مع وضع الركائز الأولية لما عُرف لاحقًا بمرحلة الوصاية السورية – الإيرانية على لبنان. فقد وفّر الاجتياح الإسرائيلي؛ الذي كان يستهدف إخراج قيادات ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من الساحة اللبنانية، الأرضية المناسبة لانطلاق “حزب الله” كحالةٍ عقائدية وعسكرية عبّرت عن تطلعات طهران ودمشق، ووجدت صدىً لدى فئة من اللبنانيين الباحثين عن هويةٍ سياسية وأمنية في خضم الفوضى الناجمة عن تداعيات الحرب الأهلية عام 1975.

بدايات انتعاش شعارات المقاومة

قبل ذلك بسنوات، وعلى الرغم من توقيع “اتفاقية الهدنة” بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس عام 1949، شهد الجنوب اللبناني تفاعلاتٍ عميقة مع موجات المدّ القومي والثوري في المنطقة، ولا سيما في ظل تأثير “مصر الناصرية” منذ عام 1953، ثم “اتفاقية القاهرة” عام 1969 التي شرعنت الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان. وقد ساهمت هذه التحولات في عسكرة المجتمع اللبناني، إذ أُرسل العديد من الشبان للتدرب في معسكرات خارج البلاد، من بينها “معسكر مصياف” السوري التابع لحركة “فتح” الفلسطينية،  في مؤشرٍ مبكّر إلى بداية مرحلة هشاشة الدولة اللبنانية وتراجع سيادتها.

كان المشهد المقاوم في لبنان متنوعًا: ضمّ الشيوعيين والاشتراكيين والقوميين السوريين، إضافة إلى أنصار “حركة أمل” في زمان الإمام المغيّب موسى الصدر. إلا أنّ التحولات التي أعقبت اجتياح عام 1982 أدّت إلى بروز “حزب الله” تدريجيًا، مستفيدًا من الدعم الإيراني والرعاية السورية، ليصبح لاحقًا القوة الأكثر تأثيرًا في المعادلة اللبنانية، ويشكّل مع “أمل” ما يُعرف بـ”الثنائي الشيعي”.

ومع مرور الزمن، تحوّل الحزب من حركة مقاومة إلى لاعبٍ إقليمي فاعل، ما أدخل لبنان في صراعات تتجاوز حدوده، وأثّر على سيادته واستقراره السياسي والاقتصادي.

ذكريات من نيقوسيا: شهادات على مرحلة مفصلية

في ثمانينيات القرن الماضي، كنتُ أقيم في العاصمة القبرصية نيقوسيا. تزامنت تلك المرحلة مع انتخاب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية اللبنانية، ومن ثم اغتياله في 14 سبتمبر 1982، وانتخاب شقيقه أمين الجميّل خلفًا له,

وشهدت تلك الحقبة التوصل إلى “اتفاقية 17 مايو” بين لبنان وإسرائيل، التي أقرّها البرلمان اللبناني قبل أن تُلغى تحت ضغط المعادلات الإقليمية. يومها، ظننت أن الرفض اللبناني كان وطنيًا بحتًا، لكنني أدركت لاحقًا حجم التعقيدات التي تحكم القرار اللبناني، ومدى تأثير التوازنات الخارجية عليه.

لقد كانت تلك المرحلة مثالًا حيًا على الفرص التي أُهدرت في تاريخ لبنان، حيث ضاعت إمكانية تثبيت السلام والسيادة في متاهات الصراعات الإقليمية.

مفاوضات واشنطن: فرصة جديدة أم حلقة مكررة؟

اليوم، يعود لبنان وإسرائيل إلى طاولة التفاوض المباشر برعاية أميركية في واشنطن، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. وتأتي هذه المحادثات بعد جولات من التصعيد العسكري، وفي سياق مساعٍ دولية لاحتواء النزاع ومنع توسعه.

وتتمثل أولويات لبنان في تثبيت وقف إطلاق النار، بينما تسعى إسرائيل إلى إزالة ما تصفه بتهديد “حزب الله”، وإقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان.

غير أن نجاح هذه المفاوضات يظل مرهونًا بعوامل إقليمية معقدة، أبرزها موقف إيران، الداعم الرئيسي لـ”حزب الله”، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وتنفيذ قراراتها الاستراتيجية.

ثلاثة أجيال من الفرص الضائعة

منذ الاستقلال عام 1943، أضاع لبنان ثلاثة أجيال من تاريخه الحديث بحثًا عن “فرصٍ ضائعة”: الجيل الأول الذي حلم ببناء دولة الاستقلال فأسقطته صراعات المحاور، والجيل الثاني الذي عاش الحرب الأهلية وتداعياتها، والجيل الثالث الذي وجد نفسه أسير الوصايات الإقليمية والانهيار الاقتصادي.

وهكذا، لم تكن أزمة لبنان في يومٍ من الأيام أزمة جغرافيا أو موارد، بل أزمة خيارات سياسية وتوازنات إقليمية، وأزمة دولةٍ لم تتمكن من احتكار قرار الحرب والسلم.

لبنان بين المتاهة والفرصة الأخيرة

اليوم، يبدو المشهد السياسي الرسمي مختلفًا تمامًا عمّا درجت عليه العادة في أزمنة الوصايات الغابرة. فالمواقف التي عبّر عنها الرئيس اللبناني جوزاف عون بالتزامن مع بدء المحادثات في واشنطن، معطوفة على مواقف رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي، تشي بوضوحٍ بأن رجال الدولة عازمون -بجديةٍ مطلقة- على بناء دولة المؤسسات واستعادة قرار الحرب والسلم فوق الأراضي اللبنانية، بمعزلٍ عن كل القوى المحلية المرتهنة لسياسات المحاور الخارجية التي سرقت هذا القرار لسنواتٍ طويلةٍ وأعادت البلد عقودًا متتالية إلى الوراء.

ولعل الجولة الأولى من محادثات واشنطن تمثّل فرصةً جديدة أمام لبنان للخروج من دوامة الصراعات، علمًا أنها قد تتحوّل، كما سابقاتها، إلى محطةٍ أخرى في سجل الفرص الضائعة إذا لم يُحسن اللبنانيون استثمارها، لا سيما أن التجارب علمتنا، بعد سنواتٍ من التأمل في تاريخ هذا البلد، أن مشكلة لبنان لا تكمن في أعدائه بقدر ما تكمن في متاهات أبنائه.

وبين الماضي والحاضر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلّم اللبنانيون من دروس التاريخ، أم يواصلون إضاعة أعمارهم في البحث عن وطنٍ لم يولد بعد؟

Leave a comment