بين ذاكرة الاتصالات وظلال البنادق: هل يقترب لبنان من لحظة السلام الممكن؟

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

لم تكن العلاقة بين لبنان وإسرائيل يومًا مجرّد فصلٍ طارئ في كتاب الصراعات الشرق أوسطية، ولا وليدة الحروب التي اندلعت على حدوده الجنوبية. بل هي، في أحد وجوهها الأقل تداولًا، امتدادٌ لمسارٍ طويل من الاتصالات والاختبارات السياسية التي بدأت قبل قيام دولة إسرائيل نفسها، واستمرت بأشكالٍ مختلفة، علنية ومواربة، عبر العقود.

أكتب اليوم، وأنا أستعيد تلك الذاكرة المنسية، على وقع حديثٍ متجدّد عن لقاءٍ مرتقبٍ في البيت الأبيض بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، برعايةٍ أميركية يقودها الرئيس دونالد ترامب. وهنا، ثمة سؤالٌ واحد يفرض نفسه: هل نحن أمام لحظة انعطاف، أم أمام وهمٍ جديد من أوهام هذا الشرق؟

من إميل إدة إلى حاييم وايتزمان: البدايات الصامتة

في زمن الانتداب الفرنسي، وقبل إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، وقبل استقلال لبنان عام 1943، جرت واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ العلاقات غير المعلنة بين الجانبين. فقد تواصل الرئيس اللبناني آنذاك، إميل إدة، مع رئيس الحركة الصهيونية حاييم وايتزمان، عارضًا ضم مدينتي صور وصيدا اللبنانيتين إلى الكيان المزمع قيامه.

ردُّ وايتزمان، وفق ما تنقله وثائق مستقلة، لم يكن عسكريًا ولا تفاوضيًا، بل أقرب إلى السخرية السياسية: “أرض الميعاد لا تقبل الهدايا المفخخة”.

قد تبدو هذه الواقعة هامشية، لكنها في الحقيقة تكشف أن فكرة “العداء المطلق” لم تكن يومًا مطلقةً كما يُروَّج لها لاحقًا، وأن السياسة اللبنانية، حتى في لحظاتها المبكرة، كانت مثيرةً للغرابة والارتباك.

الحرب الأهلية: حين انكسر الداخل أمام الخارج

مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، لم يعد السؤال يتعلق بإسرائيل بقدر ما أصبح يتعلق بلبنان نفسه: أي دولة يريد؟ وأي هوية يسعى إلى تثبيتها؟

انقسم اللبنانيون بين مشروعٍ سيادي يستند إلى فكرة الدولة ومؤسساتها، ومشروعٍ آخر متأثر بالمدّ العروبي، تعزّز بفعل “اتفاقية القاهرة” عام 1969 التي شرعنت السلاح الفلسطيني على الأراضي اللبنانية.

وفي خضم هذا الانقسام، لم تعد إسرائيل “الآخر البعيد”، بل أصبحت لاعبًا محتملًا في معادلة داخلية مختلّة. فزيارة كميل شمعون وبيار الجميّل إلى إسحاق رابين، على متن الباخرة الراسية قبالة رأس الناقورة، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل مؤشرًا على حجم الاختلال في ميزان الدولة.

ومع ذلك، فإن ردّ رابين—الذي دعا اللبنانيين إلى الدفاع عن بلدهم بأنفسهم—يعكس حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: أن إسرائيل، في تلك المرحلة، لم تكن تبحث عن التورّط المباشر بقدر ما كانت تستثمر في توازنات قائمة.

من الليطاني إلى اجتياح 1982: عندما تغيّرت المعادلة

لم تدخل إسرائيل لبنان إلا عندما شعرت بأن حدودها الشمالية لم تعد قابلة للاحتواء. فعمليات الفصائل الفلسطينية، وتجاوزها للخطوط الحمراء، دفعت إلى “عملية الليطاني” عام 1978، ثم إلى الاجتياح الواسع عام 1982 تحت عنوان “سلامة الجليل”.

هنا، لم يعد لبنان ساحةً داخلية فحسب، بل أصبح ميدانًا مفتوحًا لصراع إقليمي معقّد، تتداخل فيه الحسابات السورية والفلسطينية والإسرائيلية، على حساب الدولة اللبنانية التي كانت تتآكل من الداخل.

بشير الجميّل: اللحظة التي لم تكتمل

كان انتخاب بشير الجميّل عام 1982 أقرب إلى لحظة مفصلية في التاريخ اللبناني. فللمرة الأولى، بدا وكأن هناك فرصة لإعادة بناء الدولة من موقع القوة.

زيارة بشير إلى نهاريا للقاء مناحيم بيغن لم تكن مجرد لقاء سياسي، بل كانت إشارة إلى إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، مهما كان الجدل حولها.

لكن اغتياله في 14 أيلول لم ينهِ مشروعًا سياسيًا فحسب، بل أجهض احتمالًا تاريخيًا كان يمكن أن يعيد رسم مسار لبنان.

اتفاق 17 أيار وصعود حزب الله: انقلاب المسار

رغم توقيع اتفاق 17 أيار، الذي شكّل محاولة رسمية لتنظيم العلاقة مع إسرائيل، إلا أن هذا المسار لم يدم طويلًا. سرعان ما انهار الاتفاق تحت ضغط الداخل والخارج، ليبدأ فصلٌ جديد أكثر تعقيدًا مع صعود “حزب الله”.

هكذا، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم يعد الصراع محصورًا بين لبنان وإسرائيل، بل أصبح جزءًا من محورٍ إقليمي تقوده إيران، حيث تحوّل لبنان تدريجيًا إلى ساحة نفوذ تتجاوز حدوده الوطنية.

لقد كبر “حزب الله” عسكريًا وسياسيًا، لكن هذا النمو ترافق مع تراجع صورة الدولة اللبنانية، ومع تحوّل الجنوب إلى خط تماس دائم، بدل أن يكون جسر عبور نحو الاستقرار.

لحظة ترامب – عون: بداية النهاية أم بداية الوهم؟

اليوم، ومع الحديث عن اتصالٍ أول بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني جوزاف عون، وما يُحكى عن اللقاء المرتقب في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يبدو أن لبنان يقف مجددًا على عتبة لحظة اختبار.

هل نحن أمام إعادة إنتاج لمسارٍ قديم بظروف جديدة؟ أم أمام فرصة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة؟

ما أراه—وربما ما أريد أن أراه—هو أن موازين القوى في الداخل اللبناني بدأت تتغيّر، وأن “حزب الله”، الذي شكّل لعقود لاعبًا مهيمنًا، يواجه اليوم تحديات وجودية غير مسبوقة.

نافذة مفتوحة على الاحتمال

علّمني أبي أن لا أزعم أنّ السلام بات وشيكًا، ولا أنّ الطريق إليه مفروشٌ بالنيات الحسنة. لكنني، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، أجد نفسي أميل إلى الاعتقاد بأن لبنان قد يكون أمام فرصةٍ نادرة.

فرصةٌ للخروج من زمن “الحدود الملتهبة” إلى زمن “الحدود المضيئة”، وفرصةٌ لاستعادة الدولة من منطق السلاح إلى منطق السياسة، وفرصةٌ، ربما، لكي لا يبقى السلام فكرة مؤجلة في ذاكرة هذا البلد.

قد يكون ذلك وهمًا جديدًا. لكن الأوطان، في نهاية المطاف، لا تعيش بلا أوهامٍ كبيرة.

Leave a comment