بقلم: جمال دملج
سلامُنا بوست
ما بين أدبيات ثقافة الحرب وأدبيات ثقافة اللاحرب، ثمّة هوامش ضيّقة لمعياريْن أخلاقييْن لطالما جرى تغييبُهما عن وعينا العربي المعاصر؛ لا لأنهما غير موجوديْن، بل لأنّ استحضارهما يفرض مواجهةً صريحة مع الذات قبل الخصم.
المعيار الأول يقول إنّ الحرب، حين تقع، ينبغي أن تُحسم بشرف: مواجهةٌ مباشرة، نهايةٌ واضحة، ثم اعترافٌ متبادل بنتائجها تمهيدًا لبناء تسوية على قاعدة الغالب والمغلوب.
أما المعيار الثاني، وهو الأخطر، فيتمثّل في “اللاحرب”: حالةٌ رمادية تُدار فيها الصراعات بلا حسم، وتُستنزف فيها الشعوب تحت عناوين “التوازن” و”الصمود” و”جسّ النبض”، فيما لا نصر يتحقّق ولا هزيمة تُعلَن.
بين هذين المعيارين، يتبدّى الفارق بين من يملك شجاعة القرار، ومن يختبئ خلف استمرار النزاع.
من السادات إلى لبنان اليوم
حين قرّر أنور السادات زيارة القدس عام 1977، لم يكن يهرب من حرب، بل كان قد خرج من واحدةٍ مرفوع الرأس بعد حرب أكتوبر 1973.
بمعنى آخر: لم يذهب إلى السلام من موقع ضعف، بل من موقع من قاتل، ثم قرّر أن ينهي الحرب بشروط السياسة. وهذا هو جوهر ما سمّاه يومها “سلام الشجعان”.
اليوم، في لبنان، يبدو المشهد معكوسًا بصورة تكاد تكون فاقعة. فبدل أن يُطرح السلام كخيار سيادي نابع من حسابات الدولة، يُقابل بمجرد التلويح بالاغتيال، كما في التهديد الذي لوّح به النائب من “كتلة الوفاء للمقاومة” نواف الموسوي ضدّ رئيس الجمهورية جوزاف عون، مستحضرًا مصير أنور السادات عام 1981.
وهنا، لا تعود المقارنة مجرّد استعادة تاريخية، بل تتحوّل إلى مفترق أخلاقي: هل نريد أن نكون في موقع من يناقش خيارات الحرب والسلام، أم في موقع من يُرهب أي محاولة للنقاش أصلًا؟
الأمانة الأخلاقية… بعد سنوات من الوهم
هذا الكلام، وإن بدا متناقضًا مع قناعاتٍ حملناها في بداياتنا، إلا أنّ الأمانة الأخلاقية تفرض قوله اليوم دون مواربة.
لقد عشنا، نحن أبناء جيلٍ كامل، على شعارات “الصمود والتصدي”، واعتقدنا أنّ رفض السلام هو بحد ذاته موقفٌ أخلاقي. لكن الزمن كشف أن المراوحة في “اللاحرب” ليست بطولة، بل استنزاف طويل بلا أفق.
وفي الحالة اللبنانية، لم تعد المسألة نظرية. فالدخول في حروب “إسناد” لغزة ثم حروب “ثأر” لعلي خامنئي، خارج إطار الدولة، لم يُنتج توازنًا ولا تحريرًا، بل قاد إلى مزيد من الانهيار، وصولًا إلى لحظة تُطرح فيها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل كخيار اضطراري بنوايا سيادية مكتملة.
“السلام لنا جميعًا”… أم التهديد للجميع؟
حين وقف السادات في الكنيست، لم يهمس، بل قال علنًا: “السلام لنا جميعًا”. واليوم، في لبنان، لا يُقابَل النقاش حول السلام بطرح بديل، بل بتهديد ضمني بأنّ من يسلك هذا الطريق قد يُقتل.
هنا، تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في الاختلاف حول السلام، بل في تحريم التفكير به.
وإذا كان من معنى لكل ما سبق، فهو أنّ المعركة لم تعد بين خيار الحرب وخيار السلام، بل بين: من يؤمن بأنّ القرار يجب أن يبقى في يد الدولة، مهما كان صعبًا، ومن يرى أنّ السلاح يجب أن يبقى فوق الدولة، حتى لو كلّف ذلك استمرار النزيف إلى ما لا نهاية.
بين من يريد بناء وطن قابل للحياة، ومن يراكم أسباب الانهيار باسم المعركة الدائمة.
لقد دفع أنور السادات حياته ثمنًا لخيارٍ اعتبره شجاعًا. أما نحن، فالمفارقة أنّنا لا نزال ندفع أثمانًا يومية، لا لأننا اخترنا السلام… بل لأننا لم نجرؤ بعد على اختياره.
والخير دائمًا من وراء القصد.

Leave a comment