لبنان أمام نافذة الضوء: هل يولد السلام من قلب الرماد؟

بقلم: سيرينا جمال دملج

سلامُنا بوست

ليس من السهل على اللبناني أن يتعامل مع كلمة “سلام” حين تُقرن بإسرائيل. فالكلمة ذاتها تبدو كأنها آتية من عالمٍ آخر، من سردية لا تشبه ما عاشته الأجيال، ولا ما ترسّخ في الذاكرة الجمعية من حروبٍ ودماء وخيبات. ومع ذلك، ثمة لحظات في التاريخ لا تُقاس بمدى قابليتها للتصديق، بل بقدرتها على فرض نفسها كفرصةٍ لا يجوز تفويتها.

اليوم، يقف لبنان—كما تقول رسالة أميركية نُشرت الخميس—على مفترق طرق. لكن الحقيقة أن هذا المفترق ليس جديدًا بقدر ما هو لحظة نضجٍ متأخرة لأسئلة مؤجلة: هل نريد دولة فعلًا؟ هل نريد سيادةً تُمارَس لا تُستعار؟ وهل يمكن أن يكون السلام، بكل ما يحمله من تناقضات، مدخلًا لإعادة تعريف هذا الوطن؟

عناوين الفرصة التاريخية

الدعوة الأميركية إلى حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، وصولًا إلى لقاءٍ محتمل في البيت الأبيض بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لا يمكن قراءتها فقط في إطارها الدبلوماسي الضيق. إنها، في عمقها، اختبارٌ لإرادة اللبنانيين أنفسهم. فالدول لا تُمنح فرصتها التاريخية مرتين، ولبنان تحديدًا يعرف جيدًا معنى أن تتبخر الفرص في هواء الانقسامات.

قد يبدو الحديث عن “نهضة وطنية” من بوابة الحوار مع إسرائيل طرحًا صادمًا. لكنه، من زاوية أخرى، يلامس جوهر المأزق اللبناني: بلد يعيش على هامش السيادة، تتنازعه قرارات الحرب والسلم من خارج مؤسساته، فيما اقتصاده منهار، وشعبه موزّع بين الخوف والهجرة والانتظار.

تجليات نافذة الضوء

في هذا السياق، لا تبدو الرسالة الأميركية مجرد مبادرة سياسية، بل عرضًا متكاملًا: ضمانات للسيادة، تأمين للحدود، دعم إنساني، وإعادة إعمار، مقابل خطوة واحدة بالغة الحساسية—الجلوس إلى الطاولة. وهنا تحديدًا تتكثف المعضلة: هل يستطيع لبنان أن يفاوض كدولة، أم أنه سيظل أسير توازنات الداخل والخارج؟

لا يمكن إنكار أن الواقع الميداني يناقض جزئيًا هذا الخطاب التفاؤلي. فالقصف الإسرائيلي المستمر على الجنوب، واستمرار المواجهات مع حزب الله، يعكسان هشاشة وقف إطلاق النار، بل ويطرحان تساؤلات جدية حول نيات الأطراف كافة. لكن تجليات هذا المشهد تكمن في أن أشد لحظات التصعيد قد تكون، أحيانًا، الأرضية التي تُبنى عليها التسويات الكبرى.

لقد علّمتنا التجارب أن السلام لا يولد من الهدوء، بل من التعب. من لحظة إدراكٍ جماعي بأن كلفة الحرب أصبحت أعلى من أي مكسبٍ محتمل. ولبنان، بكل مكوناته، يبدو اليوم مرهقًا إلى حدٍ غير مسبوق: دولة تحاول النهوض من عجزها، مجتمع منهك، وشباب لم يعد يرى في البقاء خيارًا.

معجزةٌ في مواجهة التحديات

من هنا، قد لا تكون المبادرة الأميركية دعوة إلى تطبيعٍ سياسي بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها. دولة تحتكر قرارها، تضبط حدودها، وتعيد وصل ما انقطع بينها وبين شعبها. أما السلام، في هذا المعنى، فلا يكون تنازلًا بقدر ما يصبح استعادة.

لكن الطريق إلى ذلك ليس مفروشًا بالنيات الحسنة. فالمخاوف مشروعة، والذاكرة مثقلة، والتوازنات الإقليمية لا تزال متحركة… وأي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع الداخلي، أو على الأقل إلى توافق ضمني على أن استمرار الوضع الراهن لم يعد خيارًا.

ربما السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن أن يتحقق السلام بين لبنان وإسرائيل؟ بل: هل يملك لبنان ترف رفض فرصة قد تعيده إلى الخريطة كدولة فاعلة؟

في لحظات التحول الكبرى، لا يُطلب من الشعوب أن تنسى، بل أن تعيد ترتيب أولوياتها. ولبنان اليوم أمام امتحانٍ من هذا النوع: أن يختار بين ذاكرةٍ تُقيّده، ومستقبلٍ قد يحرّره—ولو بشروطٍ قاسية.

قد لا يكون السلام وشيكًا، وقد لا يكون سهلًا، لكنه، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، يبدو ممكنًا… والممكن، في بلدٍ كلبنان، هو بداية المعجزة.

Leave a comment