بقلم: سيرينا جمال دملج
سلامُنا بوست
أحيانًا، لا تبدأ الحروب لأن الشعوب تريدها، بل لأن الجغرافيا تُساق إليها قسرًا، ولأن الدول الصغيرة تُدفع، مرة بعد مرة، إلى دفع أثمان صراعاتٍ أكبر منها. هكذا عاش اللبنانيون والإسرائيليون عقودًا طويلة على طرفي حدودٍ لم تعرف الهدوء إلا كاستراحة قصيرة بين حربين.
وفي كل مرة، كان الناس العاديون—لا الجنرالات ولا السياسيون—هم الذين يدفعون الثمن الحقيقي: أطفال ينامون على أصوات الصواريخ، قرى تُفرغ من سكانها، أمهات ينتظرن أبناءهن عند المعابر، وبلدان تتقدم في العالم فيما يبقى الجنوب اللبناني وأسوار الشمال الإسرائيلي معلّقين في زمن الخوف ذاته.
لهذا تحديدًا، تبدو الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي عابر. إنها، ربما للمرة الأولى منذ زمن طويل، محاولة جديّة لاختبار سؤال ظلّ مؤجلًا لعقود: هل يستطيع الطرفان أخيرًا أن يختبرا معنى الحياة خارج الحرب؟
حين تتحول الهدنة إلى فكرة سياسية
البيان الأميركي الذي أعقب المفاوضات لم يتحدث بلغة الهدنة التقليدية. لم يكن مجرد إعلان تقني عن تمديد وقف الأعمال القتالية لـ45 يومًا إضافية، بل بدا كأنه محاولة لصياغة مفهوم جديد للعلاقة بين لبنان وإسرائيل.
فالولايات المتحدة لا تطرح هذه المرة وقفًا مؤقتًا للنار بقدر ما تحاول بناء هندسة سياسية وأمنية طويلة الأمد: مسار سياسي ترعاه وزارة الخارجية الأميركية، ومسار أمني موازٍ يحتضنه البنتاغون، وحديث واضح عن “السلام الدائم” و”السيادة الكاملة” و”الأمن الحقيقي” على الحدود المشتركة.
هذه اللغة ليست تفصيلًا دبلوماسيًا. إنها تعني أن واشنطن تحاول نقل الملف من إدارة التصعيد إلى اختبار إمكانية بناء استقرار دائم.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات، لا تبدو فكرة السلام في لبنان وكأنها خيانة جاهزة أو تهمة سياسية، بل احتمالًا واقعيًا يفرض نفسه بعد كل هذا الخراب.
الجنوب الذي تعب من الحروب
من يعرف جنوب لبنان جيدًا، يعرف أن الناس هناك لم يولدوا وهم يحلمون بالحروب. لم يكن المزارعون في القرى الحدودية يحلمون بأن تتحول بساتينهم إلى ساحات قصف، ولا كانت العائلات في الضاحية الجنوبية أو الجليل تفكر بأن أبناءها سيكبرون على صفارات الإنذار. لكن المنطقة أُغرقت، لعقود، بمنطق الصراعات المفتوحة، حتى بات السلام نفسه يبدو فكرة مستحيلة.
واليوم، بعد كل ما حدث: من نزوح جماعي، ودمار واسع، واغتيالات، وانهيارات اقتصادية، وخوف دائم من الانفجار، بدأ سؤال مختلف يتسلل بهدوء إلى وعي الناس: كم حربًا إضافية يحتاجها الجميع كي يكتشفوا أن لا أحد يربح فعلًا؟
الفرصة التي ضاعت طويلًا
في الحقيقة، لم تكن المشكلة يومًا في استحالة السلام بقدر ما كانت في استحالة القرار.
لبنان ظلّ لعقودٍ عاجزًا عن امتلاك قراره الكامل، محاصرًا بين انقساماته الداخلية وصراعات الإقليم. أما إسرائيل، فاختارت في مراحل كثيرة إدارة التوتر بدل البحث الجدي عن تسويات طويلة الأمد، مستفيدة من اختلال موازين القوى.
وهكذا ضاعت فرص كثيرة: فرص لبناء حدود طبيعية بدل الحدود العسكرية، وفرص لتحويل الجنوب إلى مساحة تنمية بدل أن يبقى خط تماس، وفرص لخلق مصالح مشتركة تحمي الناس من العودة الدائمة إلى الحرب.
ربما لم يكن اللبناني العادي يريد العداء الدائم، كما أن كثيرًا من الإسرائيليين لم يعودوا يريدون العيش في ظل خوف مستمر من الجبهات المفتوحة. لكن السياسة، في الشرق الأوسط، كثيرًا ما سبقت رغبات الناس نحو الهاوية.
العقدة الحقيقية: الدولة أم السلاح؟
رغم ذلك، لا يمكن الحديث بصدق عن سلام دائم من دون مواجهة العقدة الأساسية: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تصبح المرجعية الوحيدة للحرب والسلم؟
هنا تحديدًا تكمن حساسية المسار الحالي. فالولايات المتحدة باتت تتحدث بوضوح غير مسبوق عن ربط أي استقرار دائم بـ”الاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية” و”النزع الكامل لسلاح حزب الله”.
قد يبدو هذا الطرح صادمًا لكثيرين، لكنه يعكس حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: لا يمكن بناء سلام مستقر بينما يبقى قرار الحرب خارج مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، يعرف الجميع أيضًا أن هذا الملف شديد التعقيد، ليس فقط بسبب البعد العسكري، بل لأن “حزب الله” لم يعد مجرد تنظيم مسلح، بل بنية سياسية واجتماعية وعقائدية متشابكة مع جزء من المجتمع اللبناني.
لهذا، فإن أي انتقال نحو سلام حقيقي لن يكون ممكنًا عبر الإلغاء أو الكسر، بل عبر مسار طويل يعيد للدولة شرعيتها تدريجيًا، ويمنح الناس شعورًا بأن الاستقرار ليس استسلامًا، بل فرصة للحياة.
هل يمكن للسلام أن يولد من التعب؟
ربما يكون السؤال الأكثر إنسانية في كل هذا المشهد هو الآتي: هل يمكن للشعوب أن تتصالح لأن الجميع تعب أخيرًا؟
في أوروبا، لم تولد المصالحات الكبرى من الحب المفاجئ بين الأعداء، بل من الإدراك العميق أن استمرار الحروب يعني الانتحار الجماعي البطيء.
وربما يقف لبنان وإسرائيل اليوم أمام لحظة مشابهة، ولو بصورة مختلفة: إسرائيل تكتشف أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع أمنًا دائمًا، ولبنان يكتشف أن تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة لا يحمي سيادته بل يستنزفها.
وفي مكانٍ ما بين هذين الإدراكين، قد تولد نافذة صغيرة للسلام.
السلام ليس خيانة للذاكرة
المشكلة في منطقتنا أن الحروب تحولت مع الوقت إلى جزء من الهوية، حتى بات كثيرون يخشون السلام أكثر مما يخشون الخراب.
لكن السلام الحقيقي لا يعني نسيان الضحايا، ولا تبرئة الجرائم، ولا محو الألم. إنه فقط قرار جماعي بأن لا تتحول المأساة إلى قدر أبدي.
ولهذا، ربما لا يحتاج اللبنانيون والإسرائيليون اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاجون إلى شجاعة مختلفة: شجاعة الاعتراف بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى دائمًا على ذاكرة النار.
كي لا يضيع ما تبقّى
قد تفشل هذه المفاوضات. وقد تعود المنطقة إلى التصعيد في أي لحظة. وقد تنتصر الحسابات الإقليمية مجددًا على مصالح الناس. لكن مجرد وجود حديث جدي عن “سلام دائم” بعد كل ما حدث، يحمل معنى لا يجوز الاستهانة به. فالأوطان لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل أيضًا بسبب الاعتياد عليها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يبدو السلام اليوم—رغم هشاشته—أكثر واقعية من أي وقت مضى. ليس لأن الكراهية انتهت، بل لأن الجميع بدأ يكتشف، متأخرًا، أن الحروب الطويلة لا تترك على طرفي الحدود سوى الخسارات نفسها.

Leave a comment